السبت، 1 نوفمبر 2025

آلام فيرتر المُملة.

 عزمت علي قراءة آلام فيرتر بعد رؤيته أكثر من مرة في "شذرات من خطاب مُحب"، وقد كانت كل شذراته مؤثرة بلا شك. وكانت رغبتي في أن أقلل من حرجي المعرفي بعدم قراءتي لكل الكلاسيكيات والأعمال العالمية التي يعرفها كل من يدعي حبه للقراءة ويتناقش فيه، كانت هذه الرغبة حاضرة بدورها. فقررت أن أضرب عصفورين بحجر وأقرأها خاصةً وأنها نوفيللا يُمكن إنجازها في جلسة قراءة واحدة.

لحسن الحظ فعلت وأنهيتها في جلسة قراءة واحدة، لا يُخفي العنوان ملَلَي، وربما كانت الطريقة التي قرأت بها آخر ثُلث من العمل هي أسوأ فعل قراءة مارسته في حياتي. كنت أقرأ قطعة أو قطعتين ثم أقلب في المتصفح لأتابع بحثي عن كتابٍ من أيام الطفولة كنت أرغب في إعادة قراءته منذ زمن، ثم أعود لقراءة بعض الزمن وأفتح هاتفي لأقلب قليلًا في تويتر. وفي آخر فصل تجاوزت صفحات بِرُمَّتها. في آخر فصل بالتحديد، كنت أشد شعري، حرفيًا، شددت شعري وكلي عدم مقدرة علي تصديق ما يحصل مع فيرتر وآلامه.

ماذا حصل مع فيرتر أصلًا حتي يتألم؟ فيرتر هو شاب ألماني صادق العاطفة والمشاعر، مثله مثل أبناء عصره، يعيش في مجتمع مليئ بالتظاهر الاجتماعي في كل تصرف وكل فعل. أيضًا كعادة أبناء عصره الرومانسيين يَقع فيرتر في حب مستحيل وهو كامل الوعي باستحالته، ويسمح لنفسه بالاستمرار في هذه العلاقة وتوريط الطرف الآخر فيها حتي يصير مُستهلكًا لأقصي درجة فيها. تشارلوت حبيبته البعيدة المنال كانت متزوجة فعلًا وعندما قدم زوجها ألبرت من السفر، أدرك فيرتر استحالة استكمال حُبّه وبدا أنه عَقل حياته وذهب ليعمل بالتوصية عند أحد السفراء مغادرًا القرية ومبتعدًا عن تشارلوت.

لكن الفصل الذي عَقل فيه فيرتر نفسه يبدو بلا أي معني عندما يقرر فيرتر بعد شجار مع السفير أن يستقيل عن العمل، وبدلًا من أن يفعل أي شئ آخر، يرجع للقرية، وهو غير مطلوب منه العمل أو فعل أي شئ مثله مثل أبناء عصره البورجوازيين الذين يقضون حياتهم في الهُراء، وتمني حياة الفلاحين هروبًا من الفراغ الذي سببه هذا الهراء. وفي القرية يستكمل حبه المستحيل، ويطور معه جانبًا لجنب علاقة معقدة بزوج تشارلوت، ألبيرت. إذ يبدو أن هذا الأخير علي نحوٍ ما مُدرك بعلاقة فيرتر مع زوجته، لكنها يعتبرها صداقة، ويحُاول أن يحترم هذه الصداقة بإعطاء فيرتر مساحته الخاصة مع زوجته. أنا لا أحاول أن أعير أو أصم ألبرت هنا بالدياثة، لكن هذا الجنون في رؤية العلاقات والالتزام بها يبدو غير إشكالي بالنسبة لمجتمع ذلك الزمان. تعلن تشارلوت أكثر من مرة عن حبها الحقيقي والتزامها تجاه ألبرت لكنها أيضًا تحب فيرتر، وألبرت يعرف مشاعر فيرتر تجاه زوجته لكنه يحب صداقته. متأكد من أن الـpolyamorous relationships كانت ستنقذ فيرتر المسكين وتعطي للزوجين فرصة ليمارسوا حياةً سعيدة مع "صديقهم".

يصل فيرتر لنقطة اللاعودة ويُدرك أن الحل الوحيد لمثلث الحب هو موت أحد أفراده، ولأنه غير قادر علي قتل ألبرت، يَقتل نفسه. لا يُتوهم أن هذا حدث بالسرعة التي توحي بها بساطة الجملة. فقد كان آخر فصل وهو يشكل ما يقارب من ربع الكتاب، هو الوقت الذي استغرقه حصول هذا. وليس هذا لأنه كانت هناك بعض التفاصيل أو الأحداث الجانبية التي تحرك القصة من مكانٍ لآخر أو تضيف تطورات بسيطة للشخصيات، ما يحدث هو كالتالي: يقول فيرتر نصًا وبأكثر كلمات وتعابير مشحونة أنه غير قادر علي استحمال المزيد من المعاناة وأنه سينتحر، ثم يجلس إلي مكتبه ويكتب رسالة "أخيرة" إلي تشارلوت. ثم يُدرك بعدها أنه غير قادر علي الاستحمال هذه المرّة فعلًا، فيذهب إلي تشارلوت ليعلمها أنها "آخر" مرّة ستراه فيها. لكنه يتذكر أن ديونه وشئونه الدنيوية ما زالت غير مقضية، فيمضي لخادمه ويطلب منه إنهاءها، ويتذكر بالمرّة كتابة خطاب "أخير" لتشارلوت. أخيرًا سينتحر هذه المرّة فعلًا، لحظة، أين الأداة التي سينتحر بها؟ هكذا يطلب من خادمه أن يذهب لزوج تشارلوت ليطلب منه بندقيته. أخيرًا وأقسم بالله سننتحر هذه المرة، لا لحظة، اتركوا فيرتر المسكين قليلًا من الوقت ليتأمل في حقيقة أن من سلم البندقية لخادمه هي تشارلوت، ودعوه يفكر في شعريّة هذا الأمر. خلاص قاربنا علي الانتهاء، لحظة ففيرتر شاب مثقف ومتنور يجب أن يدون أفكاره لآخر لحظة، وليُقل القارئ من عتابه علي فيرتر، فهذه آخر مرة يُمسك فيها قلمه.

هذا هو ما حدث ببعض التصريف، وفي النصف كان هناك ما يقارب من 3 صفحات عبارة عن اقتباس حرفي لمجموعة من القصائد في مشهد كان فيرتر فيه يتلوها علي تشارلوت، وهي الصفحات التي تجاوزتها. من الصعب بأية حال تخيل أن هذه هي الحقيقة ولا يُصوّر كلامي الطريقة التي كانت بها آلام فيرتر تُمط وتزيد طولًا وعرضًا وارتفاعًا. لا يُمكن تصديق رغبة فيرتر في الانتحار، أو في أحسن الظروف، لا يُمكن رؤيتها بشكلٍ ناضج. ويظهر هذا بأوضح شكل في المشهد التالي لتلاوة فيرتر القصائد علي تشارلوت، حيث إن الاثنان كانا منفعلان عاطفيًا، وفيرتر فقد زمام نفسه حد أنه قبّل تشارلوت، فقامت الأخيرة في شبه ثورة عليه وتركته وحيدًا في الغرفة ينعي انهياره وأحزانه. بعد أن بقي فيرتر في الغرفة نصف ساعة، حاول أن يطلب من تشارلوت اللقاء لآخر مرة، ونادي عليها أكثر من مرّة. كل هذا حدث بعد أن كتب فيرتر نصًا في رسالة قبلها بأنه "انتهي كل شئ يا عزيزتي تشارلوت، فقد قررت أن أموت [..]"، وباقي الرسالة تعبير عن ضياعه الذي لم يعد قابلًا علي تحمله. كل هذا يحدث ثم بعدها وبشكلٍ طبيعي بدلٍ من أن يكون اللقاء الأخير لقاءًا أخيرًا، يظهر فيرتر فيه وكأنه يحاول أن يعيد التعبير عن حبه، وأنه يحاول لآخر لحظة إعادة مجري العِلاقة بينهم بعد تجاوزه بتقبيلها. إن عدم جدية فيرتر في مشاعره هي أكثر ما يجعل فظاظة الرواية العاطفية أمرًا غير قابل للتحمل، فكل الروايات الرومانسية بأي حال مغمورة في فيض المشاعر والحساسيات. لكن أكثرها يظهر تناسقًا وتماثلًا علي مستوي نيّة الشخصيات الداخلية وعلي أثرها علي تصرفاتهم.

لا يُمكن التعاطف مع فيرتر ليس فقط لأن آلامه مملة، ولكن لانعدام نُضجه، وعدم قدرته علي تحمل المسئولية وفهم مكانه في العلاقة. وفوق كل هذا، غياب المأساوية عن حياته، فهو مجرد شاب عادي عاش حياة بدون توقعات ضخمة ولم يكن مرتبطًا ارتباطًا قويًا بأي شئٍ ما يجعل من موته غيابًا مؤثرًا. فظهر حُبه بدون أي معني عاطفي، مُجرد مُراهقة مبتذلة لا يُدرك صاحبها أنه غير قادر علي التصرف كما يُعقل. وعلي ما يبدو، فإن هذا هو بالتحديد ما جعل آلام فيرتر رواية مهمة وقتها، ففيرتر كان يتصرف بدافعِ ذاتي، ويسمح لهواه بالتحكم فيه، ولا يُبالي بما يعني هذا من انتحاره. وهي نقطة رجع إليها فيرتر أكثر من مرة في الرواية بالإضافة إلي علاقته بالدين والمُجتمع. علي ما يبدو إذًا، كان كل هذا في جو العقلانية والتنور الاجتماعي الخانق اعصارًا. وهو أيضًا السبب في تأثر الشباب به حد أنها سُمت ظاهرة الـwerther effect أو كما صاغ شاعر انجليزي مصطلح الـwertherism. خارج هذه الأهمية التاريخية، يبدو أن آلام فيرتر بالكاد قد تنافس رسالة حب يكتبها مراهق اليوم لحبيبته علي فيسبوك.

من اللافت للنظر في جو التجديد الذي أحلته الرواية علي المشهد الأدبي في أوروبا، أن الجانب السردي منها ليس أمرًا بنفس الطرح. يأخذ السرد شكل الخطابات، وفي آخر فصل ولأن فيرتر سينتحر فيه فلا يمكن الاعتماد علي مراسلاته بنفس المباشرة، ينتقل السرد ليأخذ شكل مُحرر يجمع التفاصيل الأخري من قصة فيرتر. لا أعتقد أن هذه الحركة أو التغيير في السرد كانت جيدة لهذه الدرجة أو ثورية، فهي الشئ الذي قضي علي آخر أمل ممكن للقارئ المعاصر في أن يفهم آلام فيرتر. لأن جوته علي ما يبدو كان مهتمًا بعقْلَنَة السرد أكثر من استمراره، وهكذا قضي أول صفحتين من آخر فصل يوضح أنه قرر أن يجمع باقي ما كتبه فيرتر ويرجع لمحادثات الأصدقاء ليكون صورة قوية عما حدث وقتها. لكنه في فشل سردي ينسي أنه أقر بمحدودية سرده كإنسان يحاول أن يجمع أقصي كم ممكن من المعلومات ليفهم، فيبدأ في سرد أفكار ونوايا الأشخاص كما لو أنه سارد عليم. ويبلغ هذا السرد المحدود درجة من التناسق بين الأحداث الخارجية وترتيبها وخواطر الأشخاص حدًا يدفعك للشك في مدي نزاهة هذا المُحرر الذي كان يحاول أن يجمع أقصي ما يمكن من الحقيقة عن حياة فيرتر.

علي الأقل شعرت ببعض العزاء بعد كل هذه المعاناة عندما وجدت أن أحد معاصري جوته من المؤلفين، وإسمه فريادريك نيكولاي، كتب "أفراح فيرتر" وفيها يتخيل نهاية بديلة سعيدة، بدلًا من أن يُرسل ألبرت بندقية مُعمرة بالطلقات، يُرسل واحدة مليئة بدماء الدجاج، ثم يتخلي عن تشارلوت له، ويرجع فيرتر بعدها للإندماج في المجتمع ويقضي حياته سعيدًا. لم يكن جوته سعيدًا بهذا التصور البديل وقضي باقي حياته يُهاجم نيكولاي وهو يصف ما فعله بأنه يقضي حاجته علي قبر فيرتر. وهو بصراحة رد مناسب لمستوي الكاتب الذي كان بطله يشعر بالحاجة لكتابة آخر خطاب كل مرة يقرر فيها أن ينتحر.

أخيرًا، كثير من الروايات مثل آلام فيرتر، ما زالت تُداول حتي الآن فقط لأهميتها التاريخية، لكنها غير قابلة للقراءة بمعايير القراءة المعاصرة. لا يعني هذا أن كل الأعمال القديمة مهمة لتأثيرها التاريخي، فشكسبير أقدم من آلام فيرتر وقابل للقراءة أكثر منه بكثير. (لا أعرف ما فائدة آخر جملة هنا سوي الامعان في الكراهية علي آلام فيرتر، والله في آخر فصلٍ فقدت أعصابي عندما وجدت فيرتر وقد أعلن أنه فعلًا فعلًا فعلًا وبصدق ومن غير تراجع سينتحر هذه المرة فقط لأجد في الجملة التالية فيرتر وهو يذهب لمكتبه ليكتب رسالة أخري لتشارلوت. He is the final boss of being incapable of moving on، حتي لما انتحر، لم يمت فورًا وقضي يومًا بأكمله يعاني قبل أن يُفارق الحياة). 



0 التعليقات:

إرسال تعليق

اهلا