الاثنين، 30 مارس 2026

مُراجعة الباب المفتوح (كُتبت منذ ثلاث سنوات)

مُلاحظة: كتبت هذه المراجعة وقت قراءتي للرواية، أي منذ ثلاث سنوات. كثيرٌ من الأفكار تحتاج إلى تبيان وتوضيح (كذلك البُنية اللغوية والأخطاء الإملائية وما شابه)، لكنّي لا أدعي أنني كنت سأغير أيًا منها.

عرفت رواية الباب المفتوح من ترشيحات الجزيرة التي منها أيضًا عرفت رواية "أيام الإنسان السبعة"، وشتّان مابين هذا وذاك. رغم تقاربهما في الفترة الزمنية، فرواية أيام الإنسان السبعة أكثر ترويًا ووضوحًا، لكن رواية الباب المفتوح لم تكن موفقة في رسالتها النسوية الواضحة. وهو أمرٌ مدهش نوعًا ما بالنظر لكون النسوية وقتها في موجتها الثانية، وهي موجة متطورة فكريًا قياسًا علي الباب المفتوح. لكن بالنظر إلي سرعة التطور الفكري في العالم الثالث تزول الدهشة. بأية حال، لم تكن لطيفة الزيات موفقة حتي علي المستوي الأدبي، وهو ما يستدعي بعض النقاش، فقد كتبت لطيفة بلغة مريعة تكاد تخلو من أي استخدام للضمائر، ويشيع أن تجد قطعًا مبدوءة بالاسم لفاعل كانت الجملة أو القطعة السابقة موضوعه، ولأن القطع قصيرة، يسهل أن تجد أربع قطع في نفس الصفحة مبدوءة كالتالي "واحتد رمزي… وهدأ رمزي… وأشار رمزي… وبعد أن انتهى رمزي…”، والراوية في مجملها لا تخرج عن هذا النسق، وساهم هذا في تجزئة الرواية بشكل واضح، فكل قطعة تبدو كجزيرة منفصلة عن غيرها في سردها، والرابط بينهم هو "الأحداث" التي لا تعاني الرواية من قلتها. وتحاول الرواية هنا استغلال التاريخ في الانتقال من المنظور الشخصي للمنظور الجماعي والعكس صحيح، وكأن هذا ما تحتاجه الرواية حقًا في صراعاتها مع نفسها، فلم تنجح الرواية في الموازاة بين الخطين، ولكن فقط بإدراج بعض الشخصيات في الصراع كنوع من التدليل علي التأثر وكانت نتيجته أن المشهد "الملحمي" في نهاية الرواية بدا وكأنه جزء من رواية أخري تمامًا. تحضرني هنا مقارنة أخري مع رواية 1919 لأحمد مراد وإن لم تكن أفضل رواياته لأسبابٍ عدّة، لكن الارتباط العضوي بين مصير الشخصيات وتطور السرد كان واضحًا، بل وكان نقطة مهمة جدًا في الحبكة. هنا لا يؤثر التاريخ علي الشخصيات إلا بقدرٍ محدود، يُستدعي في البداية ثم يصير ضيفًا أثقل مع كل مرّة، وليس لأنه يفترض أن يكون التاريخ حاضرًا دائمًا، لكن الفترة التاريخية وقتها كانت مؤثرة للغاية، وكانت هناك حرب، ثم إن الشخصيات لا تعيش حياتها وحسب، بل تُسهب الرواية في تفاصيل حياتهم وذواتهم حتي ينسي القارئ تمامًا البيئة الزمنية. وهي معاملة سيئة نوعًا ما خصوصًا وأن هذا التاريخ وفّر فرصة ممتازة لإنهاء الرواية في أفضل أسوأ شكل ممكن.

لم يكن اللجوء لنهاية سيئة كهذه، نهاية تحاول أن تكون متفائلة وسعيدة بإفراط يفرض نفسه علي القارئ. لم يكن كل هذا سوي نتيجة منطقية لفشل ليلي المتكرر في معالجة مشاكلها، فقد ذهبت إلي بورسعيد بعد إدراكها المتأخر بأنها مقبلة علي الزواج من مريض نفسي. وهو هروب آخر يحسب لفشل ليلي في معالجة مشاكلها، فبدلًا من المواجهة المستحيلة نتيجة للقرارات الفادحة أدركت الكاتبة متأخرًا مع ليلي أن الأفضل هو تحميل المشاكل لمكان آخر. وكانت مشاهد الحرب سينمائية أكثر منها أدبية، أي أن منظور البطلة كان مختفيًا، لم يكن هناك منظور فردي، وكانت الوصف ينتقل هنا وهناك، بجمل قصيرة للغاية ومتنوعة في نقاط تركيزها. ليس الأسلوب سينمائيًا هنا فقط، ولكنه واضح عندما تُسهب الكاتبة في وصف مشهدٍ ما، وكأنها تكتب سكريبت لما يجب أن يبدو عليه هذا المشهد، هناك تركيز علي ملامح الوجه وحركات اليد والجسم كثيرًا. وكأن ما يُكتب ليس رواية فيها مساحة ضخمة لتخيل القارئ.

يوصف التركيز الواقعي في الوصف بالـmimesis، وهو شكل يكمله الشكل السردي الآخر الذي يختصر فيه الكاتب الأحداث كي يسرع السرد لنقطةٍ ما، أو الـdigesis. والإخفاق في التوازن يجعل تسارع الرواية مضطربًا، أي كما حدث هنا، إذ تختصر الرواية مشاهد مراهقة ليلي التي ذكرت بلا أي داعي كي تصل لنقطة بلوغها ومن ثم تحدياتها الجسدية الجديدة. ثم تركز فجأة علي مشهد محادثة بين شخصيتين وتصف حركاتهما بالتفصيل. ثم تختصر أيام وشهور من حياة ليلي بلا أية مشاكل. لنأخذ مثالًا من محادثة رمزي مع ليلي وأبوها:

وإنقبض وجه رمزي لحظة ثم عاد إلي جموده، وقال في سخرية بعد أن إرتخي في جلسته: ولما إنت فصيحة كده، منجحتيش بتفوق ليه؟!”

تحاول الكاتبة هنا تشنيع صورة رمزي لمن لم يدرك بعد أنه شخص سئ. ولاحظ التفاصيل في جملة تتكون من ستة عشر كلمة فقط: ١. انقباض وجه رمزي ٢. عودة وجه رمزي لجموده ٣. حديثه ونعت الحديث بالسخرية ٤. ارتخاءه في جلسته ٥. كلامه. كل هذا وهو جزء من مشهد حواري، وهي المشاهد المعروفة بأهمية الحوارات – بشكلٍ طبيعي – في تشكيلها. يمكن تخيل صياغة أكثر سلاسة كـ"انقبض وجه رمزي، لكنه عقّب في سخرية "ولما إنت فصيحة كده...". كافية للتعبير عن نفس المشاعر والتغيرات بدون التفاصيل المُرهقة. والأولي بأية حال أن يكف الكاتب عن الإلحاح علي ذهن القارئ بما يتخيله هو ما يجب أن يكون عليه، أي، خير الزيارات اخفها.

من المخيب للآمال أن تكون هذه الجمل الموجودة بشكلٍ غالب ضمن رواية كانت إفتتاحيتها کانت الأمسیة أمسیة21 فبرایر سنة 1946م والساعة السابعة والهواء ساکن فیه برودة محببة والجو نظیف كما لو كانت السماء قد أمطرت وغسلت الأرض" لكن ما يحدث هنا هو علامة علي مشكلة أكبر: الأسلوب التعليمي للرواية. أي الروايات وفيها السارد قد صار مربيًا وواعظًا، والأحداث تتحرك في الاتجاه الذي يسمح ببعثرة الحكم هنا وهناك، ولأن روايات الوعظ تحادث قارئًا غير ناضج وتفترض فيه مستوي فهم قليل، يكثر التدخل المؤثر علي سلاسة الأحداث. كمثال، خُصص الفصل الواحد والعشرون لوصف حلم ليلي بعد إدراكها في خيبة بأن تراجعها عن الزواج من رمزي صار من الماضي، وكأي حلم، يفترض بأن يكون تدخل الرواية قليلًا قدر ما أمكن، لا تفسير ولا تأويل. لكن ليلي تخترق هذا وتبدأ في تفسير حلمها في منتصفه، رغم أن الحلم كان واضحًا للغاية بعناصره التمثيلية الفجّة، وإسقاطاته الواضحة علي "تخلف" العادات والتقاليد التي لا تنفع أحدًا. بالرغم من كل هذا، شعرت الكاتبة بأن القارئ في حاجة لمعرفة أن ليلي تعرف من في الأحداث، وهو إن لم يحسب تدخلًا علي الكاتبة، فهو يحسب ضمن أفعال ليلي الغبية التي تمتلأ الرواية بها، ووعيها المحدود بشكلٍ مستفز.

كان وعي ليلي المحدود ظاهرًا في أوقات كثيرة من بينها المرحلة الجامعية نتيجة للإطالة الغير مفهومة، وما كان فيها من الأحداث الجانبية التي لا تضيف شيئًا سوي الانتباه والتدقيق علي بلاهة ليلي وانسياقها المبالغ فيه وراء عديلة. لطالما كانت ليلي غبية بشكلٍ يثير الريبة في رسالة الكاتبة، فهي قد تقع في الحب إذا ما ألقي شخصٌ عليها التحية، وهي تتفاعل بشكلٍ مبالغ فيه مع مشاعر الآخرين في حين أنها تفشل أحيانًا في فهم وتوقع مصائب كالشمس في وضوحها عز الظهيرة. فمثلًا في الفترة التي سبقت زواج ليلي برمزي، كانت أمها تريد حفل زفاف وهو ما كان لا يتوافق مع مبادئ وشخصية الأستاذ الجامعي المرموق رمزي. لكن ليلي الغارقة في هيام رمزي تحاول فتح الموضوع معه، رغم ما أحدثه رمزي من "نكد في البيت" استمر أيامًا كما جاء في الرواية، وكانت تحاول إقناعه باقتراح صديقتها بأن يقام حفل علي الضيق، يسألها رمزي بعد ضيق هل هي مقتنعة بكلامه أم لا؟ فتخبره بنعم، فيرد رمزي "بس ضروري تفهمي يا ليلي، إني تنازلت عشان خاطر والدتك، وإني ما أنتظرش أبدًا إني أضطر للتنازل مرة تانية، وفي المستقبل ضروري رأيي ورأيك يكون حاجة واحدة" فيكون رد ليلي بأنها تفهم موقفه تمامًا وتقدره، ثم تتنفس بعده في إرتياح. بعدها يتدخل رمزي في تفاصيل تطريز فستان ليلي، وتلفت صديقتها إنتباهها "هو الرجالة هتتدخل في هدوم الستات كمان … الست لما تنخ للراجل من أول يوم يركبها ويدلدل رجليه" فتشعر ليلي بوخزة في قلبها من أنها سلمت نفسها بهذا الشكل لرمزي. هنا تشعر ليلي بالقلق بعد تدخل رمزي في تفاصيل ملابسها، لكنها لا تشعر بأي مشكلة عندما يخبرها رمزي بالبُنط العريض بأنها المرّة الأخيرة التي سيكون لها رأي مسموع.

لكن بلاهة ليلي تمتد أحيانًا لتخترق رسالة الرواية النسوية. يأتي عصام لزيارة ليلي وتهنئتها بزواجها برمزي، فيخبرها بابتسامة خجولة "أول بنت لي حاسميها ليلي، علي اسمك"، تشعر ليلي بالخجل إزاء موقفها، وأنها "تافهة وحقيرة"، وأن "عصام الذي احتقرته يومًا أفضل وأشجع منها" لأنه "لا يريد أن يتنصل لعاطفة أصيلة ملأت قلبه يومًا … ما زال يدخرها في قلبه كشئ جميل يعتز به. وهي تتنكر لهذه العاطفة … وتسميها في قسوة وجفاف لعب عيال". في الرواية أيضًا يغتصب عصام ليلي ويتعدي عليها جسديًا، ويخون حبهما بعلاقته الجنسية مع الخادمة التي لا يعتبرها خيانة حقيقية لأنها مجرد علاقة جسدية. لا أعتقد أن الغباء هنا كان محدودًا علي ليلي وحدها، ولكن أيضًا من يعتقد أن التسامح مع هذه الأفعال شديدة الذكورية ممكن طالما أن الشخص يدخر مشاعر جميلة، ومن صعب عليه فهم الـgaslighting فليقرأ وليستزد من الرواية. فهي مليئة بالتصرفات الغبية المسيئة لليلي والتي دائمًا ما تتقبلها ليلي بالهوان والتسامح، ليس كالمسيح، ليس كإنسان مصاب بالعته المنغولي، ليس حتي كإنسان تربي وسط الحيوانات ولا يمتلك وعيًا اجتماعيا. لكن كأسوأ شخصية يمكن أن تحمل رسالة نسوية حتي ولو كانت ثورية علي وقتها. إن ليلي لا تقدم سوي نماذج سيئة للمرأة التي يُفترض بها أن تعتبر أنها سبب المشاكل دائمًا وأن تسامحها مع الآخرين فرض قبل أن يكون له مبرر. كيف كانت رواية الباب المفتوح لتستقبل لو أن أفكارها جزئت في بوستات فيسبوك مثلًا؟


الأحد، 29 مارس 2026

تأملات في الترجمة إلى ومن العربية.




أذكر أول مرّة قرأت فيها كتاب الأسطوريات لبارت، كانت النسخة العربية من ترجمة توفيق قريرة، مع توغلي في الكتاب أحسست بأن الترجمة لا تساعدني أبدًا، كنت أشعر بأنني أقرأ جُملًا غير قابلة للفهم، جُمل صحيحة لغويًا لكنها عديمة المعنى
. هكذا وجدتني أبحث عن ترجمة أخرى وظننت أنّي محظوظ لما رأيت ترجمةً أخرى فعلًا لقاسم المقداد، لأن الكتب المترجمة للعربية، خصوصًا لو كانت مُقرصنة، غالبًا ما تقتصر على نفس النسخة من نفس الترجمة. لكن قراءة الترجمة الأخرى سُرعان ما أعادت لي شعوري بالغرابة تجاه ما اقرأ، لما أكن أعرف عمّ يتحدث الكتاب فعلًا، كنت أقفز لجزرٌ من الكلمات المفهومة وسط مُحيط من اللامعنى. مع الوقت صِرت أرجع للنسخة الإنجليزية من ترجمة آنيت لَفَرز، وأستشيرها في مقارنة ثلاثية مع ترجمتي توفيق وقاسم، كانت أغرب تجربة قراءة أمر بها وأنا أتقافز بين ثلاث نوافذ على الكمبيوتر وكُلها لكتابٍ واحد. في النهاية شعرت بأنني قادر على قراءة الترجمة الإنجليزية وحدها، وتوقفت تمامًا عن مطالعة الترجمتين.

أصف شعوري بالـ"قدرة" لأنني كنت أعد القراءة بالإنجليزية نوعًا من الأفعال الكبيرة التي تتطلب تجهيزًا ضخمًا قبلها، بحيث أنه لا يُمكن أن تُفعل هكذا مرّة واحدة: لا يُمكن أن يجلس المرؤ على طاولته ويُقرر لحظيًا أن يفتح كتابًا بالإنجليزية ويقرأه. كنت أتخيل أن فعلًا مثل هذا يسبقه فترة ضخمة من فعل شئٍ ما، رُبما تعلم الإنجليزية بشكلٍ أكثر نظامية، لم تكن خيالاتي منظمة أو عقلانية لأنها كانت بكل بساطة مُبالغة شخصية. فأنا اعتدت على مُعاملة بعض الأفعال والأحداث في صورة من الخيال والأسطورة، فلا يُمكن مثلًا أن أشرب سيجارة هكذا وكأنني بحاجة لتجهيزات وتحضيرات طقوسية قبلها. لذا كانت الترجمات السيئة التي زادت من شعوري بالإحباط ذات أثرٍ ضخم على شعوري بالقدرة، لما كنت أقرأ الثلاث نسخ، وأجد أنني أفهم أكثر من النسخة الإنجليزية من مجموع ما تُعطيانه الترجمتان العربيتان، أحسست بأنني قادر على اتخاذ مثل هذه الخطوة، وأن ترجمة آنيت لَفَرز ستكون كافية وحدها لأطلع على عالم بارت.

قبل أن أصل لذاك القرار، سَردت بعض الأمثلة على سوء الترجمة في حسابي الشخصي بتويتر – يبدو أنني لست بالوحيد الذي كان يُعاني مع ترجمات بارت للعربية لأن أحدهم راسلني بعد التغريدات بشهور لتخبرني بأنها كانت مُتفاجئة من مستوى الترجمة السئ وغياب أي تعليق عليه – الآن مَر على هذه التغريدات ما يُقارب الثلاث سنوات وكثير من الكُتب المقروءة (المترجمة للإنجليزية) لبارت، بما فيها "أصعب" الكُتب مثل S/Z وWriting Degree Zero. لا يأخذن القارئ إشارتي هذه على محمل الادعاء المُبطن بأنني الآن أفهم بارت، أو أنني صرت "خبيرًا" به، إنما ما أريد قوله هو أن درايتي ببارت لا تقتصر على كتاب واحد، بالتالي لا تقتصر معرفتي بلغته – وما يترتب عليها من صعوبة الترجمة أو سهولتها – على كتابٍ واحد. سأعود إلى إحدى الأمثلة التي طرحتها من ذلك الوقت لأوضح ما أعني.

في ذلك المثال، أعترض على ما يُمكن وصفه بمشاكل لغوية جانبية: استخدام الضمائر، الاختلافات الطفيفة في اختيارات الكلمات. أذكر أن مُشكلتي الحقيقية وقتها مع الجُملة لم تكن في هذه المشاكل، وإنما كانت في تشخيص الحس السليم والعاطفة. التشخيص هنا عائد على حديث بارت الذي يقول فيه أن "الحس السليم والشعور لا يفهمان/يفقهان الفلسفة"، فالحس السليم والشعور يظهران في هيئة مجازية تصورهم أشخاصًا لهم القدرة على فهم الفلسفة أو التعامل معها. كانت أزمة تشخيص المُجرد موجودة من أول قراءتي لبارت وهي السبب الذي كان يجعلني متحسسًا للغاية من نثره وأسلوبه في المُحاجّة، فماذا يعنيه أن تكون الثقافة والنقود والكراسي والألعاب كلها شخوصًا قادرة على فعل الأشياء؟

يتحدث بارت – بنبرة ساخرة – عندما ينسب قدرة الفهم للحس السليم والشعور، لأنه يسخر من استخدام النُقاد المعروفين لهذه الكلمات في سياق حديثهم عن الكُتاب الطليعة (ترجمة Avant-garde)، فهم يرون في الأدب "الغريب" تمنعًا على الحس السليم والشعور، تلك القيم التي يستخدمونها في الحكم على الفن، بالرغم من أن الأدب الغريب (والفلسفة التي تُحيطه) تفهم كلًا من الحس السليم والشعور من منطق أنها قادرة على تفكيكهم ونسبهم لتصرفات اجتماعية بعينها – في سياق بارت: التظاهر بالجهل سعيًا وراء تقبّل العامة والجمهور الغير مُتخصص ممن يرى الأدب الحداثي غريبًا وشاذًا.

أسلوب تشخيص المُجرد ليس بغريب على لغة بارت، لكن الأساليب المجازية عمومًا ليست غريبة على البيئة اللغوية التي يتحدث فيها بارت، خُذ نيتشه مثالًا عندما يتحدث عن قتل الإله، أو بارت نفسه عندما يتحدث عن موت المؤلف، وغيرهم كُثر من الكتاب الغربيين الذين يستخدمون أساليب المُبالغة والمجاز والكناية بشكلٍ مُستمر في مُحاجّاتهم. عاشت هذه الأساليب في بيئة مليئة بالفلسفة واللغويات والنقد البنيوي والنقد المابعد-بنيوي. يتمثل اختلاف البيئة في اختلاف السياقات التي كانت النقاشات تحدث فيها، على سبيل المثال، لم تتطور الفلسفة البنيوية في مجتمع ناطق باللغة العربية. وهي مشكلة تحدث عنها بعض المترجمين الإنجليزيين الذين تعرضوا لكتب النظريات الأدبية، حيث أن النظريات الأدبية تعتمد في فترة ضخمة منها على كتابات مفكرين وفلاسفة فرنسيين.

يُمكن رؤية أزمة تشخيص المُجرد في هذه الحالة بكونها أزمة أسلوب غريب، مثلما يُحاجّ الغامدي في كتابه "العرنجية" حول بعض الأساليب اللغوية التي يستخدمها كُتاب العصر الحديث – رغم أن مُحاجّة الغامدي تنطلق من أساس ديني/أيدولوجي يعتبر أن اللغة خُلقت لتحفظ كما كانت عليه لأغراض دينية – فهي في رأيه أساليب راجعة لاستحضار ما هو غريب بنيويًا عن اللغة، مثل أن يُقال "تم فعل كذا" بدلًا من "فُعِل كذا" الذي يستخدم صيغة العربية للفعل المبني للمجهول. الآن، ليست بُنية "تم" غريبة عن لغتنا بل إنها توطنت اللغة واستعمرتها درجة أنها تُدرج في الخطابات الرسمية للحكومات والحديث العامي للأفراد. لكن كثيرًا من البُنى اللغوية الأخرى، خصوصًا السياقية منها، لا تزال غريبة على اللغة، ولا يزال استحضارها مُكلفًا للغاية وصعبًا على عملية نقل المعنى وترجمته.

ما هي البيئة اللغوية؟ في حديث مايكل ريفاتير عن الطبيعة الأدبية للنصوص مثال، إذ يقول "الطبيعة الأدبية لأي نص مُرتبطة باعتماده على (واستخدامه) للـ"افتراضات المسبقة"”، على سبيل المثال يفترض أسلوب الكتاب وموضوعه تصنيفًا ونوعًا معينًا لذلك الكتاب، بالتالي توجد الفوارق بين تجربة القراءة؛ أنا مثلًا لن أقرأ رواية تاريخية مثل رواية اسم الوردة لأُمبرتو إيكو بنفس الطريقة التي أقرأ بها رواية تاريخية أخرى مثل أرض الإله لأحمد مُراد. نفس المفهوم موجود في كتابات إيكو نفسها بصورة مُختلفة، فهو يتحدث عن "القارئ النموذجي (model reader)” الموجود في بال كل كاتب وهو يكتب كتابه. في كل هذه الأمثلة نجد أن النصوص تُكتب من أجل "قارئ" مُحدد، وهذا يحدث لأنها تُكتب من منطلق ارتباطها بما كُتب مُسبقًا، أو البيئة التي تعيش فيها وتتوطنها.

أعود مرّةً أخرى إلى مثال أكثر مُباشرةً ووضوحًا على أزمة البيئة وسياقية المعنى. يستخدم بارت كلمة Connotation كثيرًا للحديث عن المعاني الغير حرفية التي تكتسبها بعض الكلمات نتيجة للأثر الثقافي والاجتماعي عليها، الكلمة مشهورة في سياق اللغويات إذ تستخدم في مُناقشة عدم براءة وطبيعية اللغة، أي أن اللغة ليست مُجرد كلمات لها معانٍ حرفية وحسب، فالناس تُكسب الكلمات معانٍ إضافية، مثل ربط البياض بالنقاء. في العربية تُترجم الكلمة إلى دلالة/معنى/مفهوم/تضمين/فحوى/مغزى/محتوى...إلخ، وليس أيًا من هذه الكلمات كافيًا لنَقل دلالة الكلمة في بيئة اللغويات.

هذا طبيعي إذا أخذنا في الاعتبار حقيقة أن الترجمة تفقد "الحس الأصلي" للكلام بأية حال، وأن النقل بين اللغات يُلزم خسارة في المعنى لا مفر منها. لكن المشكلة تكمن في أن النقل بين اللغات يُعمي على البيئة الأصلية، وأن الخسارة ليست مُجرد خسارة في المعنى تتعلق باستخدام كلمات أقل أو أكثر دقة، إنما هي خسارة في السياق الذي عاشت وتعيش فيه الكلمة. لأن اللغة العربية لم تحتو يومًا على بيئة أصلية تطور فيها نقاش علم اللغويات، بعكس اللغة الإنجليزية والفرنسية التي تطور فيهما هذا النقاش. ويُدلل على هذا بتجربةٍ بسيطة، لدى الترجمة العكسية لأيٍ من هذه المصطلحات، ولنفترض أن الترجمة المختارة كانت دلالة، سنجد أمامنا مجموعة من الاختيارات: indication, significance, designation, meaning, connotation وغيره.

ما الذي قد يَحكم على المترجم في عملية اختياره لأيًا من هذه الكلمات؟ العودة للسياق الأصلي المستخدمة فيه الكلمة، فإذا قُرأت الكلمة في سياق يتحدث عن علم اللغويات، سيختار المترجم غالبًا كلمة connotation. في هذه الحالة لم يعتمد المترجم على المعنى الحرفي والدلالة السياقية المعتادة – مثل كون الكلام فكاهيًا أو جديًا – وإنما رجع إلى سياق البيئة، سياق المكان الذي حدثت فيه هذه الكلمة، لكن المترجم لا يملك نفس الهداية عندما ينتقل من الفرنسية/الإنجليزية للعربية، لأن العربية لم تحتو مكانًا/بيئةً مُشابهةً.

آنيت لَفَرز نفسها تُنوه على ملحوظة مُشابهة في مُقدمة ترجمتها لـ"أسطوريات"، إذ تقول التالي:


The style of Mythologies, which strikes one at first as being highly poetic and idiosyncratic, later reveals a quasi-technical use of certain terms. This is in part due to an effort to account for the phenomena of mass culture by resorting to new models.


تذكر آنيت بعدها أن "اللغويات" هي أهم وأوضح مثال ضمن "النماذج الجديدة" المُستخدمة في تحليل ظاهرة الثقافة العامة، وأن أثر اللغويات على استخدام الكلمات ومعانيها يتمثل في:


whose mark is seen not so much in the use of a specialized vocabulary as in the extension to other fields of words normally reserved for speech or writing


ظهور قاموس مُتخصص من الكلمات هو ما أعنيه عندما أتحدث عن البيئة التي تعيش فيها اللغويات، فاللغويات توسعت في استخدام الألفاظ والمصطلحات "المُخصصة" لسياقٍ تحليلي مُختلف. فوق ذلك، فبارت نفسه مثال مُتطرف على "تخصيص" كلمات بعينها في بيئة بعينها؛ في الكتب الأخرى لبارت يُمكن رؤية أزمة التوطين بشكلٍ أكثر استفحالًا، لأن بارت يُعيد تشكيل الكلمات بمعاني تختلف حتى عن البيئات المُعتادة أو المعروفة، بحيث أنه يُمكن القول بأن كتابات بارت نفسها صارت بيئة بعينها، وأنه لا يكفي أن تكتفي بالعيش في بيئة اللغويات لتفهم بارت.

لما ذكرت أن الفارق بين تغريداتي التي كنت أشتكي فيها من بارت هو كتب أكثر قرأتها لبارت، كنت أعني أنني عشت في بيئة بارت بحيث أنني صرت قادرًا على الرجوع للشك والاستدلال في أوقاتٍ بعينها، وقد تجد بعضهم يُناقش صعوبة أو غموض مصطلح بارت بالإشارة إلى "Barthesian meaning/writing” وكأنه صار هناك نوع معين من أنواع الكتابة الـبارتـية، كذا يتكرر الأمر مع المفكرين المعروفين أمثال نيشته وهيجيل وغيرهم، فطبيعة كتاباتهم تستدعي الرغبة في تحويل الكلمات وتشكيلها لمعاني مُعقدة تتجاوز قدرة اللغة الحرفية على التعبير.

قبل أن أقرأ كل هذا الكم من بارت، لم يكن لدي حس الشك أو الدلالة، وكان الفارق في التنقل بين اللغات مُعتمدًا على عدم معرفتي باللغة الإنجليزية تمامًا عن معرفتي باللغة العربية، بكلمات أخرى، كنت ألجأ للترجمة الإنجليزية لأنني إذا قرأت فيها ما لا أفهمه فسأفترض بأنها مُشكلة "معرفتي الشخصية" باللغة وسأتجاوزها إلى ما بعدها، أما اللغة العربية فلم تُوفر لي مثل هذا الأمر، لأنني إذا لم أفهم شيئًا، فلن أجد ما ألقي اللوم عليه، لن ألوم غبائي على قلة معرفتي بالعربية، لأنّي بكل بساطة عربي.

لهذا أجد أن تحاملي المُبكر على الترجمة كان عن مبدأ جهل وليس معرفة، والآن عندما أرجع لذات الترجمات أجد أنني قادر على فهمها وراء محاولات واضطرابات الترجمة لتسكين البيئة الغريبة. أنارتني شريكتي بتعليقها على الترجمة عندما أخبرتني بأنها تجد مُتعة في رؤية اضطراب ومعاناة المترجمين، مُحاولاتهم لإيصال المعنى رغم صعوبته. ليست المتعة سايكوباثية وإنما مُتعة شاعرية، جمال الكدح اللغوي وتشاجر المعاني. هكذا إذًا أرى توفيق وقاسم وهما يُحاولان قصارى جهدهما للتعامل مع الحمولة اللغوية المُعقدة لبارت، أقدر مُحاولاتهم التي قد تكون أحيانًا بدافع الحب والرغبة في أن يطلع العالم على الكاتب، مثلما أشارت رفيقتي. في حجراتهم وعلى مكاتبهم، لم يكن خط الكلمات على الورق سهلًا أبدًا، فهم يفهمون بارت (بل ويعرفونه في لغته الأصلية لأنهم من الفرانكوفون) ويفهمون مُحاجّاته، لكنهم مُمزقين بين نقل فهمهم والنقل اللغوي نفسه، واللغة العربية بعيدة بأميال عن الفرنسية والإنجليزية على أن تُقدم لهم مُساعدةً أو تسهيلًا.

لهذا أذكر مُقدمة ترجمة The Crying of Lot 49 لإيهاب عبد الحميد، عندما أخذ ما يُقارب الخمس صفحات ليتحدث فيها بشكلٍ واضح عن قراراته في الترجمة، ويُبين مسألة الفارق بين جمهور بينشون الأصلي والجمهور الموجه له الترجمة: “لدينا القارئ الأمريكي الأصلي، ابن سيتينات القرن العشرين (وقت ظهور الرواية)، ولدينا القارئ العربي ابن العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين (وقت ظهور الترجمة)، وبينهما طيف واسع مكاني، وزماني، ولغوي"، وفي النهاية يُقر بكل أخلاقية وشجاعة بـ"إننا واعين بخسائرنا قدر ما نحن واعين بالمكسب". الفارق أن إيهاب طلب تعاطف القارئ المُباشر، ووضع نفسه أمامه بكل عيوب وصعوبات الترجمة، أما البقية ممن لم تكتب مُقدمات لترجماتها، أمثال توفيق وقاسم، فهم يستدعون التعاطف بشكلٍ ضمني، وقد يحتاجون لسوء حظهم في حالة قارئ عصبي، قليل العِلم كَثير النفور سريع الغضب، مثلي إلى رفيقة أو رفيق يُنير الأذهان إلى أن أزمة الترجمة ليست على القارئ وحده.

لكن ما حدث وقت الأسطوريات كان له أثره الدائم علي، مثل أثر جُرح لا يلتأم أبدًا، اكتسبت شكًا مُطلقًا تجاه كل ما هو مترجم للعربية أيًا كان. أقول اكتسبت لأنني مع الوقت صِرت أحس، حتى بشكلٍ واعٍ، بأنني "أتفاعل جسديًا" مع الترجمة العربية، أنا أكرهها وأبغضها، بالرغم من أن الترجمة ليست مما يُكره أو يُبغض، وإنما تُناقش وتُحلل. دفعني شكي تجاه الترجمات إلى الاستمرار في قراءة الأصل الإنجليزي، أو قراءة الترجمة الإنجليزية في حالة وجودها، وقد كان لهذا الشك نتيجةً لم أقصدها، فمع تعودي على القراءة بالإنجليزية صارت لي القدرة على الوصول لمخزون معرفي ضخم يتجاوز المعرفة المترجمة والمكتوبة بالعربية بكثير.

لا يعني هذا أن اللغة العربية قاصرة بشكلٍ داخلي، وإنما العامل المادي المؤثر على عملية الترجمة، واختيار اللغة التي يُكتب بها هو ما يحكم، لهذا مثلًا أجد كتبًا عن التاريخ الاجتماعي لمصر وقد كتبها مؤلفون مصريون بالإنجليزية، لأن هذه الكتب ستنال شهرة أكبر بكثير مما قد تناله إذا اقتصرت على الجمهور العربي. وكذلك لا أجد الكثير من هذه الكتب المتخصصة مُترجمة، لأن العائد المادي الذي قد يُبرر لدار النشر الاستثمار فيها محدود. بأية حال، لست أهدف إلى تحليل الأثر المادي على الترجمة والكتابة، ما أذكره هو الواقع الذي أعيشه بصفتي طالبًا فقيرًا بالكاد يمتلك كُلفة اشتراك الإنترنت.

أجد في اللغة الإنجليزية سهولةً في القراءة، لأنني فوق مسألة التوافر قادر على أن أعيش في البيئات المُختلفة وأن أتنقل بينها بسهولة. قد يكون غيري من القُراء الحاذقين وواسعي المعرفة قادرون على الوصول لمثل هذا المستوى من التوطن في البيئات الغريبة تمامًا بدون الحاجة لقراءة الترجمة، لكنني لست ذاك القارئ الحاذق. وأنا بذلك مُمتن للترجمات السيئة للعربية لدفعي لقراءة المُترجم، لكنني أيضًا والأهم من ذلك، مُتعاطف ومُتفهم لما يعنيه أن تُترجم للعربية.

الخميس، 12 فبراير 2026

اختيار الطماطم وتنقيتها.

 


 في العامية المصرية يُشار إلى فعل اختيار الطماطم بالـ"تنقية"، يتشابه الإسم مع كلمة "نقي" التي تعني الصفاء والنظافة. يتشابه لأن اختيار الخضروات ليست معتمدة فقط على ما هو نظيف أو أصفى قياسًا على جودته، وإنما ترتبط بالغرض من الخضار المطلوب. تُعتبر حالة الطماطم مميزة، لأنها عكس كثير من الخضار والفواكه الأخرى، لا تحتوي على فواصل وظيفية بنفس الشكل؛ تُقسم الطماطم وفقًا للغرض منها إلى نوعين: السلطة والصلصلة، ويُمكن تحديد الفاصل بينهما على أساس التماسك، فالسلطة تحتاج إلى طماطم أكثر تماسكًا، في حين تحتاج الصلصلة إلى طماطم أقل تماسكًا. في عالمٍ مثالي، تكون طماطم السلطة قطعة من الحجارة العضوية، وطماطم الصلصلة هُلام عضوي، لكن الطماطم التي تُباع في الأسواق ليست بطماطم من هذا العالم المثالي. بناءًا عليه، تخضع عملية اختيار الطماطم إلى مجموعة من المعايير التي تُمايز وتُفاصل كل قطعة من الطماطم.

أولى هذه المعايير كما هو واضح هو المنظر الخارجي، لأن لون الصلصلة الجيدة هو اللون الأحمر القاتم، طماطم الصلصلة يجب أن تكون حمراء قدر الإمكان، وبالرغم مما تبدو عليه سهولة الأمر، فوضوح الألوان ليس أمرًا مباشرًا؛ ظروف الإضاءة ونظافة الطماطم تُؤثر على استقبال لونها، والأهم من ذلك، هو وجودها وسط حبّات الطماطم الأخرى، فقد يبدو لون قطعةٍ ما فاقعًا وجيدًا، لكن إثر التمعن فيه بجانب قطعة أخرى، يبدو أنه ليس بالفاقع كما تُصور أول مرة. تحتاج عملية تقييم الألوان إلى نوعٍ من أنواع المعايرة، في الأول يُمسح المعروض من الطماطم فتؤخذ فكرة مبدئية عن درجات الألوان المتاحة، ثم أثناء الاختيار تتخذ عملية المعايرة منطقًا أكثر دقة قادر على التفرقة بين الطماطم على المستوى الفردين بين القطعة والأخرى.

يعتمد هذا العنصر بالتحديد على الشخصي/الذاتيّ أي الحكم الشخصي ومدى الحساسية تجاه الألوان، لكن العنصرين الآخرين (الإضاءة والنظافة) يرجعان إلى أحكام خارجية لا مكان فيها للذاتي. النظافة أمرها مباشر وواضح، إذ يُمكن أن تُمسح وتزال الأوساخ والأتربة المجمعة على سطح الطماطم ليُعرف لونها الحقيقي. لكن الإضاءة ذات أبعاد مكانية وزمانية لا تتمتع بذات المباشرة والوضوح، على سبيل المثال في الأماكن الشعبية تعتمد الإضاءة بشكلٍ أساسي على عامل الزمان، ففي النهار يكون ضوء الشمس كافيًا لرؤية المعروض من الطماطم، لكن في الليل تكون متاجر بيع الخضروات بأضوائها الضعيفة والمحدودة مكانًا أقل مثالية لرؤية الطماطم، عكس الأماكن الأخرى مثل أقسام الخضروات في المتاجر الضخمة، حيث يتمتع المكان بعزلٍ تام عن ظروف الإضاءة الخارجية. هناك الأضواء البيضاء القوية لا تترك مكانًا لغير المرئي أو الغير واضح، وتسمح باختيار الطماطم في كل الأوقات.

إذا كانت طماطم الصلصة تعتمد على معيار اللون الأحمر لاختيارها، فطماطم السلطة ليست في ذات الحاجة إلى لونٍ أحمر قاتم، في السلطة يَحكم المضغ والهرس، بكلمات أخرى، تحتاج طماطم السلطة إلى أن تكون جسدًا واضحًا تحت الفك والأسنان، يُقاوم في قوّة أثر دفع الأسنان. ليس من المهم إذًا أن يكون لونها أحمر، خصوصًا وأن طماطم السلطة المتماسكة غالبًا ما تكون خضراء، أو الطماطم التي لم تنضج بعد ولم تفعل الإنزيمات فعلها في تحويل عصارتها الداخلية إلى قوام أقل تماسكًا.

العامل الثاني في معايير اختيار الطماطم هو اللمس والمَسك، وهو عامل صعب ومعتمد على الدِقَّة، ليس في اختيار طماطم السلطة، وإنما في اختيار طماطم الصلصلة. الأولى مباشرة وواضحة، ما يَهم هو أن تكون الطماطم متماسكة عند مسكها، وأن تكون قوية إثر الضغط عليها. لا حاجة إلى تمرير اليد بشكلٍ معين أو إلى تقليب الطماطم في اليد كثيرًا، فغالبًا ما تكون الطماطم المتماسكة قوية وواضحة من أول ضغطة. طماطم الصلصلة على الجانب الآخر تقع في منطقةٍ حذرة بين ما هي طماطم لينة وضعيفة، وما هي طماطم فاسدة ومتحللة، والخط بينهم كثيرًا ما يكون رفيعًا. قبله استمرارية بدءًا من الطماطم المتماسكة والصلبة تمامًا، وصولًا إلى الطماطم اللينة، والدرجات بينهم واسعة وتسمح بالكثير من التنازلات طلبًا للراحة والتبسط، قد تكون الطماطم نصف متماسكة نصف لينة، لكن الحاجة إلى توفير الوقت وعدم الإزعاج بتفاصيل جانبية مثل صلابة الطماطم قد تُبرر هذا الاختيار. ليس الكل متساويًا في حاجته إلى الراحة أو التفاوض مع الوقت، ربّات المنزل على سبيل المثال قد يولون أهمية أكبر لجودة ما يختارون، خصوصًا وإن كانت الكمية المطلوبة قليلة (نصف كيلوجرام لصلصلة خضار على سبيل المثال)، بينما في حالة الحاجة إلى كميات أكبر، مثل حالات شراء الطماطم للتخزين، من السهل تجاوز وتخطي الكثير من الطماطم التي تقع في المنتصف، طالما أنها ليست طماطم سلطة بشكلٍ واضح.

بالطبع ليس من السهل التفرقة بين طماطم السلطة والصلصة على الدوام، وهو ما يرجعنا إلى مسألة أهمية اللمس والمسك. العملية ميكانيكية وتحتوى على تفاصيل ضخمة من المفاوضات والاختيارات البسيطة التي تتجمع مع بعضها لتكون الحكم النهائي: هل أنقل حبة الطماطم هذه إلى الكيس أم أرجعها إلى مكانها؟ واحد من أهم تفاصيل المسك هو تقليب الطماطم بشكلٍ كافٍ لتكوين فكرة عن سيولة عصارتها عمومًا. الطماطم كيان عضوي وتوزيع الإنزيمات بالإضافة إلى المكونات الغذائية غير متماثل، قد يكون الجانب الأيمن أكثر صلابة من الأيسر، أو أن أعلى الطماطم داكن أكثر من أسفلها. يَسمح هذا باختيار طماطم صلصة غير نقية، لكنها تكفي الغرض عمومًا، هي عملية ديالكتيكية بلا شك، غير أن الديالكتيك يتضمن أطرافًا أكثر بكثير من اثنين، وجمع هذه الأطراف قد يكون في النهاية عملية ذاتية، لكنها في معظمها محاولة عقلانية لاختيار ما هو ليس بمثالي في مقابل ما هو أقل منه مثالية.

في النهاية، تخضع كل هذه الأمور إلى النقود والشرط المادي، ليس اختيار أفضل أنواع الطماطم أمرًا متوافرًا بنفس الدرجة، وقد تكون معرفة "التنقية" بناءًا عليه أكثر أهمية بكثير. المعرفة هنا تُكتسب بشكلٍ أكثر حِدة ومنهجية من تجربة الاختيار العادية، لأن الاختيار من كومات الطماطم الأقل جودة هو أشبه بالاختيار من بقايا الطعام. تنتشر هذه الأكوام في الأسواق الشعبية، يفصل بينها وبين النوع "العادي" من الطماطم حاجز خشبي، لكن فاصل الجودة أكبر وأوضح بكثير: الطماطم متضررة، بعضها تظهر عصارتها التي تنز بوضوح على غلاف الطماطم، البعض الآخر عبارة عن شِرذمة-طماطم. في النهاية، ليست هذه الأكوام حرفيًا سوى نتاج عملية تنقية أخرى، تنقية البائع نفسه الذي يفصل ما بين الطماطم القابلة للتنقية النهائية، والطماطم السيئة تمامًا لدرجة أن الزبائن لن يقتربوا منها.

الزبائن هم الزبائن المقتدرين ماديًا، الزبائن الغير مقتدرين سيقبلون على هذه الأكوام. الفارق ليس كبيرًا، قد يكون مجرد سبع جنيه في الكيلو، لكنه فارق ضخم للغاية على مستوى سلعة تستهلك بكثرة مثل الطماطم. وحيث أن بقايا الطماطم هذه ستحول في النهاية لصلصلة، لا مشكلة من شكلها الخارجي وحالتها ما قبل أن تكون صلصلة، فكله نفس السائل الأحمر. هكذا إذًا تُختار الطماطم بعناية، الكومة ممتلئة بالسوائل المتناثرة هنا وهناك من عصارة الطماطم، وإمساك الطماطم بشكلٍ فيه بعض القوة قد يُفسدها بلا رجعة، في مثل هذه الحالة، تُختار الواحدة من الطماطم بتأنٍ وصبر، أحيانًا يكون المعدل قطعة واحدة من كل عشرة. ومع مرور الوقت، يتناقص الأقل سوءًا من كومة الطماطم، ويبقى الأسوأ والأسوأ، بحيث أنه على نهاية اليوم، سيكون الأسوأ من أسوأ كومة طماطم مُتبقى: التنقية فعلٌ زمنيّ، من يستيقظ مبكرًا – ولا يعمل بوظيفة تستهلك يومه من أوله – يلحق الطماطم الأقل سوءًا أكثر من غيره.

لكن اختيار الطماطم، بالرغم مما تبدو عليه الفواصل بين أنواع الطماطم، ليس أمرًا بديهيًا. مثلما أن البعض في حاجة أكثر من غيره إلى أن يُنقي بكفاءة أكثر، فالبعض الآخر في حاجة أقل من غيره، قد تكثر وقد تقل، إلى أن يُنقي من أساسه. طالما أن الطماطم تُعالج في النهاية في الخلّاط الذي يُحول أي شئ مهما كانت صلابته لسائل، فليس من المهم أن تكون الطماطم لينة أو أطرى. علاوة على ذلك، تُوفر الصلصلة الجاهزة كل هذه المجهودات وتختصرها لخطوة فتح الكيس وصبه في وعاء الطهي. هذا الاختصار السحري لعملية اختيار الطماطم تُكمله مهارات ومعارف شركات ضخمة تربح الملايين، وتعتمد على معايير أقل حسيّة بكثير من همجية التحسس اليدوي، معايير أكثر دقة بمراحل وكذلك ذات نتيجة جيدة قابلة للتكرار. قد يَحل الطعام السريع كل هذه المشاكل، اختيارات الخضار والاهتمام بليونته وما شابه، الحفاظ على جودته في الثلاجة، ومتابعة الحاجة إليه… كل هذه الأمور تقليدية، ونحن لا نعيش حياةً تقليدية: ليس الكل في حاجة لـ"تنقية" الطماطم.

الثلاثاء، 3 فبراير 2026

أكره المولات، أيضًا أقرأ قصة "أسطورة الطُفيل"

  

أكره المولات بكل ما تحمله من معاني ثقافية وغير ثقافية، أظن أنها أسوأ نوع ممكن من أنواع المعمار البشري عمومًا. بدلًا من العضوية المميزة للمدن التقليدية حيث تتفرع الشوارع مع الأبنية بدون نظام أو تخطيط مُسبق، يُجمع المول كل المدينة في مكانٍ واحد، أماكن الترفيه والتريض والتبضع في مسافة لا تتجاوز مترات. وفي هذا المترات الصغيرة، ينتصب المعمار الضخم للمول، حيث تُعلن الحداثة عن وجودها بأكثر من شكل: الزجاج البرّاق الذي يجعلك مرئيًا على الدوام سواء أكنت في داخل المتاجر أم خارجها، والمكيفات التي تعزل المول تمامًا عن الأجواء الخارجية، بالإضافة إلى الأضواء التي تجعله منفصلًا عن سير الحياة الخارجي، البراندات المستوردة التي تُكلف بضائعها أثمانًا مستوردة.

ليس من الغريب إذًا أن المولات تُشكل عصب الحياة في المناطق التي تعيش فيها المدن حياةٍ شيزوفرينية بين مكان السُكنى وبين أماكن ممارسة الحياة (التسوق، التنزه...إلخ)، بالقرب من كل مدينة جديدة تجد مول ضخمًا ملحقًا بها، بالطبع لابد وأن يحتوي هذا المول على أماكن شاسعة لركن السيارات، لأن طبيعة حياة مثل هذه لن تكتمل من دون التصميم العاشق للسيارات. لحظات ما قبل دخول المول هي أسوأ اللحظات، أتذكر رصة المتاجر الزجاجية وزحام الناس في مناطق غير مخصصة للزحام، وعندما أخرج منه، أتنفس الصعداء أخيرًا. أشعر بالراحة وأنا أشم الهواء الخارجي، عكس هواء المول المعقم، وأسمع صوت العالم من حولي، أصوات تخلو من الصوت الخلفي لهدر مكيفات الهواء وصخب الناس.

نظافة المول هي نظافة من نوع كُلي، لا تترك شيئًا للصدفة أو للعشوائية، بدءًا من النظافة السطحية التي تظهر في الأسطح (حرفيًا) التي يُمشى عليها أو زجاج نوافذ المتاجر الذي يلمع على الدوام، مرورًا بنظافة الأنواع الموجودة داخل المول، الأنواع البشرية وغير البشرية (يوصف الشئ ذو الجودة بالـ"نضيف" عندنا)، وانتهاءًا بنظافة بُنية المول المعمارية؛ مُقسم بعناية ووفق أحدث استنتاجات العلوم التي تستغل لأقصى درجة زائري المول وتزيد من وقت وجودهم بداخله.

لحسن الحظ، لا أذهب إلى المول كثيرًا (من المرات القليلة التي يكون فيها فقري وقلة نقودي أمرًا محمودًا)، لكن عندما ذهبت مؤخرًا وعِشت كل هذا، مرت على خاطري قصة "أسطورة الطفيل" من سلسلة ما وراء الطبيعة، لأنها حدث في المول، ولأن المول فيها كان مكانًا لحادثة مرعبة. لماذا من بين كل الأعمال الممكنة تذكرت هذا العمل بالذات؟ قد يكون هذا لضحالة ثقافتي وقلة قراءتي، فأنا متأكد من وجود كثير من الروايات والقصص التي تطمح بتقديم شئٍ ما أفضل من قصص ما وراء الطبيعة، لكنني لا أشعر بالحاجة الماسة إلى البحث عنها وقراءتها لأجد فيها عزاءًا لمتاعبي تجاه المول. وعلى أية حال، هذه الأيام إذا دققت بما فيه الكفاية في أي عمل حولك، فستجد فيه آثارًا لكراهية الحداثة والنفور منها، وليس من الصعب أن تُعمم هذه الكراهية (أو تخصصها) على كراهية المولات.

ما وراء الطبيعة بحد ذاتها عمل مضاد للحداثة بشكلٍ ملحوظ، بشكلٍ أساسي لأن كاتبها كان على قدرٍ من المحافظة الفكرية والأخلاقية (اذكروا محاسن موتاكم أو هكذا يُفترض)، ولأنها تدور في فلك الماورائيات، ذلك العالم الذي لا يخضع لمنطق الحداثة المنتظم والواضح، عالم يكون الشر فيه ببساطة مستذئب أو كيان شيطاني يظهر من فتحة خرافية. في "أسطورة الطفيل"، الشر هو كائن من ميثولوجيا الثقافة الشرق آسيوية، كائن طيني وخُرافي يُحاول أن يلتهم طاقة العالم، ويقوم بامتصاص الحياة امتصاصًا من أجساد الناس ليتركها جافة بلا أي أثر لسائلٍ فيها. يظهر هذا الكائن الأسطوري من بلاعة تحت مول في وسط البلد بمصر، الكائن التقليدي يظهر في مكانٍ هو أبعد ما يكون عن التقليدية، مكان ينتمي لعالم معاصر من التجارة الحرّة والانفتاح الثقافي.

لا تُعرف ماهية الطفيل إلا في الصفحات الأخيرة من القصة، عندما يرى رفعت الطفيل ويصفه "كان الطين حيًا .. كان يبرز من المجاري وكأن له يدين تحاولان الإمساك بأي شئ … ثم يرتفع هذا الشئ المريع فتبرز له ممصات". هذا النمو الطيني والعضوي بدون ملامح أو تراتبية مميزة هو تضاد فج مع طبيعة معمارية المول، ينمو المول في ارتفاعٍ رأسي نحو الأعلى، ولكل طابق تراتبية في عالم المول، فالطابق الأول هو الأهم نتيجة لحقيقة أنه أقرب الأماكن إلى المدخل وأقلها حاجة للحركة، ثم يليه الطابق الثاني والثالث حتى الأخير. لا أهمية للطابق الأخير (السقف) وكذلك الطابق ما تحت الأرضي (الجراج والمجاري)، لأن كلاهما لا يُقصدان أبدًا لذاتهما. وبالطبع لا يوجد قسم له خصوصية وظيفية مثل المولات (الـfood court، أو الأماكن التي تتركز فيها محلات الترفيه مثلًا)، جسد الطفيل هو جسد واحد غير قابل للتقسيم.

المادة التي يتكون منها الطفيل هي الطين نفسه، الطين هو أساس الخلق والنشأة – هو كذلك جزء من المواد التي تدخل في بناء المول – إذا كان المول في زمن القصة (السبعينيات) هو علامة شديدة المعاصرة على التطور في التاريخ البشري، فالطين هو أقل درجة وأولها، الطين هو البداية الأولية للبشر، بداية معتمدة على الطبيعة ومن الطبيعة. يُمكن على مدار الرواية ملاحظة القطبان في تشكل ووجودٍ مستمر: الطفيل/الطبيعة في مقابل الأشخاص/الحداثة، في حين أن القطبان يوجدان في نفس المكان وهو المول، فإن طرفًا منهم هو من بَنَى وشيد هذا المول، والطفيل ما هو إلا دخيل على المكان، الطفيل حرفيًا ليس من صُلب الموجود ولا هو جزء منه، لكنه ينمو قادمًا من بعيد، من غير أن تُعرف هويته أو مصدر قدومه. في القصة نعرف أن مصدر الطفيل هو فتحة أسطورية في نسيج المكان سمحت للكائن الخرافي بالتسلل من خلالها، إذ يحتاج الطفيل إلى استيراد أجزاء من ميثولوجيا غريبة خصيصًا فهذا لأنه مثل الفطر وغيره من الطفيليات، كائن غير معروف المصدر، يُمكن أن يوجد في أي مكان وأي زمان، في قطعة خبز منسية على طرف من منضدة المطبخ، أو على حلوى في ثلاجة ضخمة بإحدى متاجر الحلويات.

لهذا فإن الوحيد القادر على الحركة خروجًا ودخولًا من المول هو الطفيلي، في حين أن الأشخاص المحبوسين بداخله محرومين من نفس القدرة على الانتقال، فهم في حكم وأمر بُنية المول. تُبني المولات وفي الاعتبار غرضها التجاري، أي أنها تحتوي على بوابات مخصوصة وتأمينات على النوافذ، بكلمات أخرى، تخضع مخارج-مداخل المول إلى الحاجة الماسة لحماية البضائع والموجودات بالداخل. في القصة تُقلب هذه العلاقة وتتحول الحاجة إلى حماية البضائع لحبس من هم بداخل المول، قد يبدو هذا امرًا غير مقصودًا، لكن المول ليس سوى بُنية بشرية ترجع إلى حاجة أصحابها، بالتالي يُمكن أن يُحبس الأشخاص في أي وقت حتى بدون الحاجة إلى كائن خرافي يتحكم بشكلٍ أسطوري في ذات المخارج والمداخل، هذه البنية القابلة للتلاعب موجودة في أماكن أخرى تاريخية تسبق وجود المول، مثل قلعة محمد علي التي سهلت أمر تنفيذ المذبحة.

بالرغم مما يبدو إنه إمكانية لقصة رعب نفسي بتنويعات على الكليستروفوبيا، لم تستغل "أسطورة الطفيل" هذه الإمكانيات، واكتفى الطفيل بأن يظهر فقط بالقرب من دورات المياه أو بقع المياه القذرة، لأن مصدره الطين، ولم يظهر أبدًا في أي تجمع (سوى في النهاية عندما كان رفعت إسماعيل قريبًا من مصدره في المجاري). بالطبع يفرض هذا مشكلةٍ ضخمة، لأنه يُمكن للمحبوسين أن يتجنبوا الطفيل وأن يظلوا مكانهم، وهو ما حدث جزئيًا، لولا أن السرد أنقذ نفسه بالدوافع الماورائية التي كانت تحرك الكاهن الآسيوي المرافق لرفعت ليواجه الطفيل، وعن طريق هذه الحركة تمدد السرد لمواقف كثيرة جانبية كانت لا تحرك القصة بشكلٍ حقيقي.

في احد هذه المواقف الجانبية، يلتقى رفعت إسماعيل مع مجموعة من المرافقين بالكائن الطفيلي، يقطع رفعت إسماعيل جزءًا من أطرافه التي تنمو لتمتص الحياة من الآخرين ويُقرر فيما بعد أن يتخلص منها بالحرق تجنبًا لأن تنمو إلى طفيلي مستقل. “كنا هناك في دورة مياه بالطابق الثالث ، وقد قام ( إبراهيم ) الخفير بإغراقه بالكيروسين ثم ألقى عليه عود ثقاب . لابد أنه شعر بالحنين لأنه تذكر حرق الثعابين في الحقل في قريتهم ..”، بعيدًا عن ملاحظة رفعت إسماعيل ذات الأبعاد العنصرية في الإشارة لحنين الخفير إلى فعل همجي مثل الحرق لأنه مرتبط بقريته، تشبيه النمو الطفيلي بالثعابين هو امتداد لدلالات الزيادة والوجود الغير مرغوب فيه، وهي الدلالات التي تكوّن وجود الطفيل في مكان المول. مثل أن الثعابين تتسلل في أماكن بشرية مُنظمة وذات سياق مُحدد (الريف)، فالطفيل أيضًا يتسلل إلى أماكن مماثلة، أماكن مخصصة للبشر، ومثلما تتناسب الثعابين في بساطتها وحجمها المحدود مع طبيعة الريف البدائية، فالمول يوُجد متسلل خرافي أبعاده كونية.

يُشير رفعت إسماعيل نفسه إلى هذه الحقيقة، "لو وجد خطرًا في صورة عصابة من القتلة المسلحين لكان هذا رائعًا". عدو المول والحداثة ليس عدوًا على نفس الدرجة من الحداثة، ولكنه عدو شديد البدائية حد أنه خارج حدود العالم الطبيعي. يُمكن قراءة هذا على أنه في بيئة شديدة النظافة ومعادية للطبيعة مثل المول لا يُمكن للطبيعة المعروفة أن توجد، تلك الطبيعة التي ترى في الحيوانات المشردة مثلًا أو نمو النباتات الغير مرغوب، بالتالي فالنمو الوحيد الممكن هو نمو فجّ وقوي بما فيه الكفاية ليتحمل نظافة بيئة مثل هذه. لكن الطفيل، مثله مثل أي كائن حي، في حاجة إلى مصدر للغذاء، ومصدر غذاء هذا الطفيلي هو البشر، أو بالتحديد أجساد البشر.

في منتصف القصة يتعرض رفعت إسماعيل لهجوم من الطفيل بعدما انفرد على جانب (بسبب أنه "أراد أن يفكر بهدوء وبروية في معطيات المشكلة"، ولا يوجد سبب مفتعل أكثر من هذا، لكن السرد كان في حاجة مستمرة إلى مثل هذه الأسباب، لأنه كما ذكرت لم يكن الطفيل قادرًا على أن يتحرك بشكلٍ مطلق الحرية، وكان ملزمًا فقط بأماكن وأنماط بعينها من الحركة)، يفقد رفعت إسماعيل وعيه والكائن الطفيلي يمد ممصاته عليه، لكنه يستيقظ ليجد نفسه وقد أنقذ. يُفكر رفعت إسماعيل في سبب نجاته "[..] الاحتمال الآخر هو أنه تحسسني فقدر أنني أموت .. لا توجد دورة دموية تقريبًا والنبض واهن والوعي غائب .. هكذا وجد أنه لن يحقق شيئًا لو امتص طاقتي .. لن تضيف له شيئًا أو لعلها تضعفه [..]”، يذكرنا هذا بمعضلة مصاص الدماء الذي لا يجد الحياة إلا في دماء البشر وليس مثلًا في دماء الأرانب أو الفئران (كان في سلسلة روايات Twilight مصاص دماء أخلاقي مثل هذا "يُصبر" نفسه بدماء الحيوانات). لماذا لا يمتص الطفيل السوائل بدون تفرقة؟ كلها في النهاية شئ واحد بالنسبة له، لأن رفعت إسماعيل يجب أن يعيش ويُزعجنا بثرثرته، ولأن القصة تتمزق بين الرمزي والواقعي، أحيانًا يُرى الطفيلي على أنه كائن فيزيائي خطير يهدد وجود من هم بالمول، وأحيانًا أخرى يُرى على أنه كائن خارق يهدف إلى تدمير الواقع والاستيلاء على طاقته.

يُمكن مد تعريفات الطفيل إلى أشكال متعددة تتعين كلها بالتضاد إلى الحداثة، معظمها كما ذكر مبني على التدخل والوجود الغير مرغوب/متحكم فيه، الطبيعة والنمو الغير محسوب. على سبيل المثال يشير رفعت إسماعيل في شاعرية (غير مقصودة على الأرجح) إلى أن "[..] المجاري كلها هي الطفيل .. المجاري هي الكائن الحي الذي يهددنا ..”، وكأن المجاري، التي تتعين في علاقة من السفلية والتحتية بالقياس إلى ماهو أعلى (أو بكلمات أخرى، الحضارة البشرية على السطح)، صارت فجأة هي مصدر المعنى الأولي في هذه العلاقة وتقدمت في أهميتها. لا تُنسب الـagency للكائن الطفيلي بشكلٍ مقصود، فهو كائن غير عاقل، يفتقد لأي معنى حقيقي وذاتي، لأنه بالأساس موجود ليدمر ويضرب طاقة الوجود.

بالرغم من ذلك، فإن أفعال وتصرفات الطفيلي تؤثر وتتحكم في الأشخاص بشكلٍ مباشر: في القصة بطلة ثانوية، واسمها نادين، تعمل بمتجر في المول وتُعاني من مطاردة طليقها واسمه مروان، وهو مختل عقليًا حد أنه كاد يقتلها ذات مرة في مكان عملها. تكتشف نادين أن طليقها كان معهم عندما حُبسوا بداخل المول، وتذعر من هذا الاكتشاف لأن ابنها كان معها أيضًا في المول وقتها. تُجبر نادين على مواجهة طليقها بشكلٍ نهائي نتيجة لتدخل الطفيل الذي حبس الجميع بداخل المول، وفيما بعد يختطف مروان ابنها، لكن الطفيل يتدخل مجددًا لينقذ الطفل (لاحظ التشابه بين الطفيل والطفل، فكر رفعت إسماعيل في شئٍ مشابه، وكانت نتيجته أنه ظل على مدار ربع الرواية يطارد الطفل ظنًا منه أنه هو الوحش الحقيقي بالإضافة طبعًا إلى السرد الذي أخذ فرصته في مطاردات جانبية)، فيقتل مروان ويمتص الحياة من جسده.

يُمزق الطفيل النسيج الاجتماعي ويبعث فيه الاضطراب تمامًا، يقتل أطفالًا وعمالًا، وأيضًا يقتل طليق نادين، وهي الآن صارت نادين حرّة من جنونه. يمتد هذا التحكم الطفيلي في النسيج الاجتماعي إلى اقتصار الطفيل على قتل من هم في عزلة أو بعيدون عن الحشود، وهو بمثابة عقاب على الحياد والابتعاد عن الجماعة. لا يعترف الطفيل بالسلطة والعلاقات الاجتماعية؛ يقتل الطفيل مدير المول (وهو ما يتسبب في الصدمة للعاملة نادين التي تتعجب من أنه كان قادرًا على تشويه المدير بالذات من بين كل الأشخاص) وكذلك العمال.

لا يُمكن أن يقضى على الطفيل باستخدام طريقة من الطرق البسيطة إذًا، طُرق مثل المبيدات الحشرية أو النظافة المستمرّة (أو الحرق كما حن الخفير إليها)، يحتاج الطفيل إلى ما يوازي ضخامته الخرافية. ويُدرك الكاهن المصاحب لرفعت هذا الأمر، إذ أنه بالأساس كان محكومًا عليه بمواجهته، فيضطر للتخلي عن كتاب طائفته المقدس الذي هو آخر نسخة منه، وعندما يبتلعه الطفيل يكف أخيرًا عن النمو وعن الوجود. كانت الكلمة الأخيرة إذًا للطفيل: هو من قرر، بعد أن بُذلت في سبيله تضحية ضخمة، أن ينصرف بعيدًا.

الجمعة، 23 يناير 2026

تأملات في نثر بارت ومجازاته.



أول مرّة قرأت فيها لبارت كانت كتاب الأسطوريات، ما زلت أذكر كيف كان نثره يدفعني أحيانًا للجنون. لنثر بارت خاصية عجيبة، لأنه مُمتلِئ بالمجازات والكنايات والاستعارات، تُستخدم اللغة وتحوّل بأشكال مختلفة لتنتج معاني تدخل بدورها في تكوين معاني أخرى وهكذا. بكلمات أخرى، نَثَر بارت يشبه السلسلة، فهو لا يتوقف عند معنى واحد، وإنما يمتد. إذا كان التعبير عن معنى ما يحتاج لجملة واحدة، أو لعددٍ ما من الجمل أيًا يكن، وإذا كان هذا يعني أن ترتيب المعنى سيكون جملة 1 ثم جملة 2 ثم جملة 3 وهكذا، فإن نثر بارت سيسلك طريقًا جديدًا: مجاز أو كناية مذهلة، ولأنها غريبة لأول مرّة، سيضع مزيدًا من المجازات والاستعارات لكي توضح كلها مع بعضها معنى الجملة. بالتالي يصير ترتيب معناه أشبه بالتالي: جملة 3 ثم جملة 1 ثم جملة 2 ثم جملة 1 ثم جملة 3 ثم جملة 2 وهكذا، دون نقطة توقف أو نقطة بداية واضحة.
قد يكون صعبًا تخيل أمرًا كهذا، لنأخذ إذًا مثالًا من إحدى كتبه الشهيرة، S/Z الذي يُحلل فيه نوفيللا "سارازين" للكاتب الفرنسي بِلزاك. الاقتباس من النسخة الإنجليزية عن الأصل الفرنسي لجهلي (رغم أنني أقف عند ما يقارب الـ1300 يوم من التمرين في دولينجو!):

To read, in fact, is a labor of langauge. To read is to find meanings, and to find meanings is to name them; but these named meanings are swept toward other names; names call to each other, reassemble, and their grouping calls for further naming: I name, I unname, I rename: so the text passes: it is a nomination in the course of becoming, a tireless approximation, a metonymic labor.
S/Z (p. 11), Barthes.

الفقرة جزء من تعليق بارت على معنى النص وعلاقته بالنسيان، تُلخص فكرة التعليق بأن النسيان جزء أساسي من عملية القراءة، وأن القراءة تحدث لأنها معتمدة على النسيان. في الفقرة يُحلل بارت هذه الفكرة، فيذكر أن القراءة هي "كَدح في اللغة"، يتعلق الكدح بمعاني التَعَب والمجهود، وهو جزء مما يقصده بارت هنا، لكنه ليس الجزء الأهم. المعنى الأهم من مجاز الكَدَح هو ارتباطه بالعمل المتواصل والمتكرر، لا توجد "لحظات مميزة" أو "نِقَاط توقف" في الكدَح، فكر في سنين الخبرة التي تملأ سيرتك الذاتية (على الرغْم أن سيرتي الذاتية تخلو منها)، هل يُمكن أن تفصل أيًا من هذه السنين إلى لحظات معينة؟ بالطبع توجد ذكريات محددة، ولحظات أهم من غيرها، لكن عمومًا وفي المتوسط، كل سنين الخبرة متشابهة ومُتصلة، وهو ما يؤكده حقيقة أنها مجرد أرقام.
يُعد مجاز الكَدح مثال جيد على نثر بارت المتشابك، من الممكن فهم هذا المجاز بأكثر من طريقة وشكل، كما ذكرت مثلًا، من الممكن أن يُفهم على أنه إشارة إلى التعب الذي تتضمنه القراءة (من محاولة الفهم)، ولكن الجمل التالية، وهي بدورها مجموعة من المجازات الأخرى، تُوضح المجاز الأول وتُعيد تشكيله، حتى الجزء الأخير من الفقرة، حين ينتهي المجاز، يبدو وكأن الفقرة تبدأ نفسها من أول وجديد.
يُمكننا أن نصف هذا الامتداد في المجازات والأفكار بالريزومي، وهي خاصية مميزة للغة بارت اللعوبة. الريزوم هو بالأساس مصطلح ينتمي إلى علم النبات، ويُشير إلى نوع من النباتات تنمو جذوره تحت التربة بشكلٍ مُعقد. استخدم مصطلح الريزوم في النظرية الأدبية والفلسفة الكاتبان ديلوز وجيتاري، وغالبًا ما يعني الريزوم فكرة بدون نقطة بداية واضحة، وتشعبات دون ترتيب "هرمي" مرئي. ماذا إذًا لو بدلًا من النثر الريزومي الذي يُتوه قارئه، حولناه وشذبناه إلى امتداد رأسي مُرتب، يبدأ من نقطة مُحددة، وينتهي عند نقطة مُحددة كذلك؟ يُشبه هذا الأسلوب الذي يُكلمك به الذكاء الاصطناعي عندما يشعر بغبائك، فيرتب المعلومات في صورة نقاط ونقاط فرعية وكل نقطة تحتوي بالكاد كلمة أو كلمتين.
 
720+ Rhizome Stock Illustrations, Royalty-Free Vector Graphics & Clip Art -  iStock | Iris rhizome, Canna rhizome, Ginger rhizome

نمو الريزوم 



من أجل أن يحدث هذا التحويل والتشذيب، لابد للمجازات أن "تُفك" و"تُفتح" تشابكاتها، بكلمات أخرى، يجب أن أقدم معنى أو تفسير تحت كل جملة، بحيث يُغني هذا عن الحاجة إلى التيه في النثر بدون حركة واضحة. وهو ما سأحاول أن أفعله تاليًا.

  • To read, in fact, is a labor of language
الكدح مُستمر من حيث أنه مثل بعضه. 8 ساعات من العمل هي في النهاية "عمل" لا يُمكن فصله أو تقسيمه.
مجاز: كدح ويعني به القطعة الواحدة المُحددة من العمل المستمر والمتواصل بلا أي تمييز

  • To read is to find meanings, and to find meanings is to name them; but these named meanings are swept toward other names
في أثناء القراءة، تتكون المعاني في ذهنك، لكن هذه المعاني تزاحم وتتحرك نحو معاني أخرى. في الصفحة الأولى تفهم معنى أو معنيين، في الصفحة الثانية تفهم معنى أو معنيين آخرين وتزاحمهم معاني الصفحة الأولي، وهكذا تستمر المعاني في مزاحمة بعضها خلال القراءة.
مجاز: تسمية المعاني ويعني به أن تُعرف المعاني وتُحدد

  • names call to each other, reassemble, and their grouping calls for further naming
لكن هذه المعاني لا تزاحم بعضها في المطلق، بعض المعاني تتجمع مع بعضها لتكون معاني أكبر. فكّر في المحاضرات والطريقة التي تدرس بها، هناك محاضرات تعريفية تمتلأ بالـ"معاني" التي تتجمع مع بعضها شيئًا فشئ، وعلى مدار المحاضرات في السنة الدراسية، تصير هذه المعاني معاني أكبر وأضخم، وتتلخص هذه المعاني في النهاية بمعرفتك الإجمالية بما درسته.
مجاز: تجميع المعاني ويعني به أن ترتبط المعاني مع بعضها لتكون معنى أكبر

  • I name, I unname, I rename: so the text passes
لهذا فإن عملية قراءة النص تتضمن فهمًا مستمرًا لهذه المعاني. فكّر في قصص التحرّي والإثارة، كيف أنك قد تكون افكارًا (معاني) عن الشخصيات وقد تشك في شخصيةٍ ما نتيجة للمعاني التي كونتها، لكنك تكتشف أن هذه المعاني كانت خاطئة. أنت إذًا "ألغيت تسمية" هذا المعنى.


  • it is a nomination in the course of becoming, a tireless approximation
لأنك على مدار النص تُحاول فهم العمل، فالمعنى في حالة من "التكون". يستخدم بارت مجازًا بديعًا لوصف هذه العملية: تقدير دؤوب. التقدير والتقريب الذي يحدث لمحاولة الوصول إلى المعنى لا يتوقف، ورغم أنها عملية دؤوبة لا يكل فيها القارئ ولا يمل، فإنه لن يصل أبدًا، لأنها ما زالت "تقديرًا/تقريبًا" للمعنى.
مجاز: تسمية ويعني به أن يُعرّف النص وأن يُعرف معناه
مجاز: تقريب ويعني به من المستحيل الوصول للمعنى نفسه ويُمكن فقط الوصول إلى نسخة متشابهة أو متقاربة معه

  • a metonymic labor
يُشير استخدام مصطلح الكناية هنا إلى علاقة الارتباط، لا تتحدد الكناية بحد ذاتها، فالكناية تتكون ما بين طرفين: المُكنّى والمُكنّى عنه. تخيل أن الكناية مُدت لكناية أخرى، والكناية الأخرى مدت لغيرها وهكذا.. ما تعنيه الكناية بكلمات أخرى هو تكوين علاقات لا تنتهي بين المعاني وبعضها، ووصف "الكدح" بالكناية يُمثل خاتمةً مميزة للفقرة التي بدأت بالإشارة للقراءة على أنها كدح.
مجاز: كناية ويعني به العلاقات بين المعاني وبعضها مثل علاقة معنى الكناية بالمُكنى عنّه

هل تُقدم قراءتي توضيحًا كاملًا بنسبة 100% لكلام بارت؟ لا أعتقد هذا، بل قد يجد البعض أن قراءة النص الأصلي أسهل من التعرّض المُسهب لكل جملة، مثلما تَفعل شروحات المُتون وكتب التراث التي تكتب فيها صفحة كاملة على سطر من المتن الأصلي. لكنني حاولت أن أشتبك ولو بشكلٍ شديد الهامشية مع نثر بارت، الذي لطالما أعجبني وأبهرني في بلاغته اللغوية. ومن المدهش أن ما أتحدث عنه يتشابه بطريقةً ما مع الفكرة التي يحاول بارت شرحها هنا، هو أن المعنى لا يتكون فوريًا، وأن المعنى ليس في حالة مُحددة من الوجود يُمكن فصله فيها، المعنى هو سلسلة معلقة ومتشابكة من المعانى التي تكون بدورها معاني أخرى وهكذا.
إذا كانت مجازات بارت متصلة ببعضها لدرجة أنها تجعل القارئ في حالة من تكوين المعنى المستمر، فإنها مميزة بالتحديد في الطريقة التي تُعبر بها. وصف القراءة بالـ"كدح" دون أن يعني هذا الكدح بشكل أساسي التعب أو المجهود المضني هو مثال على مجاز مميز، من الممكن القول بدلًا من ذلك أن القراءة عملية مُتصلة وغير قابلة للتجزئ، لكن مجازات بارت ونثره يُعيد تكوين المفاهيم العادية وتصويرها في أشكال بديعة ومختلفة. أحب أن أفكر في هذا على أنها "زوايا" تصوير مختلفة وغريبة، إذا كنّا نرى المعنى من زاويته المعتادة، فإن بارت سيزحف على الأرض ويصوره من زاوية أفقية بدرجة 23 من جنوب الناحية اليُسرى، وسينتج هذا صورةً غريبةً جدًا من المعنى، حد أنها قد تبدو معنى جديد تمامًا!
بل إن ما فعلته يُمثل إعادة تكرار لما كان بارت يفعله في الكتاب نفسه، يُناقش كتاب S/Z تعدد المعاني والتجزئة التي يُمكن أن تنتجها تجارب القراءة المختلفة، في الكتاب يقوم بارت حرفيًا بتجزيء الرواية التي يحللها إلى "بُنى معنى" lexemes تصل إلى ما يزيد عن 200 بنية! وكل بنية تلحق بها أكواد لغوية تُحدد ارتباطات هذه البنية، والطريقة التي تخلق بها المعنى. رغم ان القصة – قصة سارازين – مباشرة نسبيًا، قصة مكتوبة بروح الرومانسية الفرنسية من القرن التاسع عشر، وهو ما يحوله بارت بشكلٍ مُدهش إلى تصنيف من الكُتب يدعوه بالـreaderly، أي الكُتب التي "تُقرأ" فقط، عكس الكتب الـwriterly، الكُتب التي "تُكتب"، أو الكتب التي يتحكم القارئ وحده في معانيها.
ليس هذا غريبًا على أجواء بارت، صاحب اعلان موت المؤلف. S/Z عبارة عن نقد مُضني لقصة هي أبعد ما يكون عمّا يقرأه بارت فيها، وليس أدل على هذا من تعليق أحد مُراجعي الكتاب من أنه "يوفر متعةً لذلك النوع من الناس ممن لا يمتلكون مُتعةً فطرية في قراءتهم للأدب". ما يشير إليه التعليق هو بطبيعة الحال تفصيص قصة سارازين، وهي القصة الممتعة بشكلٍ ملحوظ إذا قرأت بشكلٍ عادي، وبارت غير قادرًا على الاكتفاء بالمتعة الطبيعية/الفطرية التي تقدمها القراءة العادية للقصة. بالطبع ما يفعله بارت وما كانه مشروعه النقدي مبني على ذات النقطة التي يشير إليها الُمراجع المذكور: تحليل المعاني "الطبيعية" وتوضيح البُنى الثقافية/الاجتماعية التي تقف خلفها، الأسطوريات هو أشهر محاولات بارت في هذا الأمر. إذا كنا نستمتع بقراءة سارازين بشكلٍ "فطري" فهذا لأن هذه الفطرة نتيجة لبُنى ومؤسسات ثقافية واجتماعية أوجدت أنواعًا واستراتيجيات بعينها من القراءة، وهو ما يُحاول بارت أن يهدمه في كتاب S/Z.
من نفس التعليق النقدي المُقتبس منه بالأعلى، يقول بارت فيما يخص القراءة:
The more plural the text, the less it is written before I read it; I do not make it undergo a predicative operation, consequent upon its being, an operation known as reading.
يُعرف بارت "تعددية" النص في ضمن اطاره المذكور من الـwriterly/readerly، وبذلك فالنص المكتوب هو نص أقل تعددية. بنفس الطريقة التي يمتلأ بها نَثر بارت بالمجازات والكلمات ذات المعاني المختلفة تمامًا، لا تعني الكتابة هنا ما تعنيه عادةً، ولكنها تُشير إلى مسألة وجود معنى مُسبق في النص. في النقد التقليدي، تنطلق القراءة من أساس أن الرواية/القصة لها معنى بداخلها، وأن الهدف هو الكشف عن هذا المعنى. لكن هذا ما ينفيه بارت هنا بالإشارة إلى كتابة النص بشكل أقل. وهو ما توضحه الجملة التالية بشكلٍ مباشر، القراءة ليست عملية predicative، أي أنها ليست عملية متعلقة بتحديد "جوهر" النص، وليست عملية معتمدة على وجود النص.
ما يدهشني هنا هو الطريقة التي عرّف بها بارت القراءة، إذا أعيدت ترتيب الجمل، فالقراءة ستصير كالتالي: عملية تُحدد النص، بناءًا على وجوده. لكن القراءة لا تعني القراءة، ووجود النص لا يعني وجوده كما ذُكر. فالإثنان مجازان ضمن مجازات كثيرة في نثر بارت المتشابك، أذكر تصريحًا مشابهًا يخص وجود النص، حينما ذكر الناقد الأمريكي بلوم في كتاب Deconstruction and theory أنه، حرفيًا، "There is no text”، من الصعب ألا يشعر القارئ بنفور مبدئي من التعبير الذي ينفي كليةً أمرًا بديهيًا كهذا، لكن هذه حالة نثر بارت.
رُبما يُبرر هذا حقيقة أن كل أعمال القراءة النقدية تعتمد على مُراجعة وتحليل ومناقشة المفاهيم المعروفة، وعلى هذا فهي دائمًا في حاجة إلى إعادة تعريف البديهي والمعتاد، عندما يُشير بلوم إلى انعدام وجود النص، فهو يؤكد على معنى مشابه لما يقوله بارت بخصوص القراءة، هو أن النصوص المكتوبة لا تحتوي معنى داخلي، والـtext هنا مجاز عن المعنى الداخلي أو جوهر النص. يعمل المجاز بشكلٍ فعّال لأنه ينفي وجود المعتاد ويُناقشه، حتى لو كان الأثر النهائي قابلًا للوصول بأشكال مختلفة، قارن بين تعبير بلوم و تعبير مثل "لا يوجد معنى داخلي في النصوص" وستعرف لماذا يَعمل هذا النوع من المجاز. 
لن يكف نَثر بارت عن أن يكون مذهلًا وغريبًا، لكن مُلهم.