أكره المولات بكل ما تحمله من معاني ثقافية وغير ثقافية، أظن أنها أسوأ نوع ممكن من أنواع المعمار البشري عمومًا. بدلًا من العضوية المميزة للمدن التقليدية حيث تتفرع الشوارع مع الأبنية بدون نظام أو تخطيط مُسبق، يُجمع المول كل المدينة في مكانٍ واحد، أماكن الترفيه والتريض والتبضع في مسافة لا تتجاوز مترات. وفي هذا المترات الصغيرة، ينتصب المعمار الضخم للمول، حيث تُعلن الحداثة عن وجودها بأكثر من شكل: الزجاج البرّاق الذي يجعلك مرئيًا على الدوام سواء أكنت في داخل المتاجر أم خارجها، والمكيفات التي تعزل المول تمامًا عن الأجواء الخارجية، بالإضافة إلى الأضواء التي تجعله منفصلًا عن سير الحياة الخارجي، البراندات المستوردة التي تُكلف بضائعها أثمانًا مستوردة.
ليس من الغريب إذًا أن المولات تُشكل عصب الحياة في المناطق التي تعيش فيها المدن حياةٍ شيزوفرينية بين مكان السُكنى وبين أماكن ممارسة الحياة (التسوق، التنزه...إلخ)، بالقرب من كل مدينة جديدة تجد مول ضخمًا ملحقًا بها، بالطبع لابد وأن يحتوي هذا المول على أماكن شاسعة لركن السيارات، لأن طبيعة حياة مثل هذه لن تكتمل من دون التصميم العاشق للسيارات. لحظات ما قبل دخول المول هي أسوأ اللحظات، أتذكر رصة المتاجر الزجاجية وزحام الناس في مناطق غير مخصصة للزحام، وعندما أخرج منه، أتنفس الصعداء أخيرًا. أشعر بالراحة وأنا أشم الهواء الخارجي، عكس هواء المول المعقم، وأسمع صوت العالم من حولي، أصوات تخلو من الصوت الخلفي لهدر مكيفات الهواء وصخب الناس.
نظافة المول هي نظافة من نوع كُلي، لا تترك شيئًا للصدفة أو للعشوائية، بدءًا من النظافة السطحية التي تظهر في الأسطح (حرفيًا) التي يُمشى عليها أو زجاج نوافذ المتاجر الذي يلمع على الدوام، مرورًا بنظافة الأنواع الموجودة داخل المول، الأنواع البشرية وغير البشرية (يوصف الشئ ذو الجودة بالـ"نضيف" عندنا)، وانتهاءًا بنظافة بُنية المول المعمارية؛ مُقسم بعناية ووفق أحدث استنتاجات العلوم التي تستغل لأقصى درجة زائري المول وتزيد من وقت وجودهم بداخله.
لحسن الحظ، لا أذهب إلى المول كثيرًا (من المرات القليلة التي يكون فيها فقري وقلة نقودي أمرًا محمودًا)، لكن عندما ذهبت مؤخرًا وعِشت كل هذا، مرت على خاطري قصة "أسطورة الطفيل" من سلسلة ما وراء الطبيعة، لأنها حدث في المول، ولأن المول فيها كان مكانًا لحادثة مرعبة. لماذا من بين كل الأعمال الممكنة تذكرت هذا العمل بالذات؟ قد يكون هذا لضحالة ثقافتي وقلة قراءتي، فأنا متأكد من وجود كثير من الروايات والقصص التي تطمح بتقديم شئٍ ما أفضل من قصص ما وراء الطبيعة، لكنني لا أشعر بالحاجة الماسة إلى البحث عنها وقراءتها لأجد فيها عزاءًا لمتاعبي تجاه المول. وعلى أية حال، هذه الأيام إذا دققت بما فيه الكفاية في أي عمل حولك، فستجد فيه آثارًا لكراهية الحداثة والنفور منها، وليس من الصعب أن تُعمم هذه الكراهية (أو تخصصها) على كراهية المولات.
ما وراء الطبيعة بحد ذاتها عمل مضاد للحداثة بشكلٍ ملحوظ، بشكلٍ أساسي لأن كاتبها كان على قدرٍ من المحافظة الفكرية والأخلاقية (اذكروا محاسن موتاكم أو هكذا يُفترض)، ولأنها تدور في فلك الماورائيات، ذلك العالم الذي لا يخضع لمنطق الحداثة المنتظم والواضح، عالم يكون الشر فيه ببساطة مستذئب أو كيان شيطاني يظهر من فتحة خرافية. في "أسطورة الطفيل"، الشر هو كائن من ميثولوجيا الثقافة الشرق آسيوية، كائن طيني وخُرافي يُحاول أن يلتهم طاقة العالم، ويقوم بامتصاص الحياة امتصاصًا من أجساد الناس ليتركها جافة بلا أي أثر لسائلٍ فيها. يظهر هذا الكائن الأسطوري من بلاعة تحت مول في وسط البلد بمصر، الكائن التقليدي يظهر في مكانٍ هو أبعد ما يكون عن التقليدية، مكان ينتمي لعالم معاصر من التجارة الحرّة والانفتاح الثقافي.
لا تُعرف ماهية الطفيل إلا في الصفحات الأخيرة من القصة، عندما يرى رفعت الطفيل ويصفه "كان الطين حيًا .. كان يبرز من المجاري وكأن له يدين تحاولان الإمساك بأي شئ … ثم يرتفع هذا الشئ المريع فتبرز له ممصات". هذا النمو الطيني والعضوي بدون ملامح أو تراتبية مميزة هو تضاد فج مع طبيعة معمارية المول، ينمو المول في ارتفاعٍ رأسي نحو الأعلى، ولكل طابق تراتبية في عالم المول، فالطابق الأول هو الأهم نتيجة لحقيقة أنه أقرب الأماكن إلى المدخل وأقلها حاجة للحركة، ثم يليه الطابق الثاني والثالث حتى الأخير. لا أهمية للطابق الأخير (السقف) وكذلك الطابق ما تحت الأرضي (الجراج والمجاري)، لأن كلاهما لا يُقصدان أبدًا لذاتهما. وبالطبع لا يوجد قسم له خصوصية وظيفية مثل المولات (الـfood court، أو الأماكن التي تتركز فيها محلات الترفيه مثلًا)، جسد الطفيل هو جسد واحد غير قابل للتقسيم.
المادة التي يتكون منها الطفيل هي الطين نفسه، الطين هو أساس الخلق والنشأة – هو كذلك جزء من المواد التي تدخل في بناء المول – إذا كان المول في زمن القصة (السبعينيات) هو علامة شديدة المعاصرة على التطور في التاريخ البشري، فالطين هو أقل درجة وأولها، الطين هو البداية الأولية للبشر، بداية معتمدة على الطبيعة ومن الطبيعة. يُمكن على مدار الرواية ملاحظة القطبان في تشكل ووجودٍ مستمر: الطفيل/الطبيعة في مقابل الأشخاص/الحداثة، في حين أن القطبان يوجدان في نفس المكان وهو المول، فإن طرفًا منهم هو من بَنَى وشيد هذا المول، والطفيل ما هو إلا دخيل على المكان، الطفيل حرفيًا ليس من صُلب الموجود ولا هو جزء منه، لكنه ينمو قادمًا من بعيد، من غير أن تُعرف هويته أو مصدر قدومه. في القصة نعرف أن مصدر الطفيل هو فتحة أسطورية في نسيج المكان سمحت للكائن الخرافي بالتسلل من خلالها، إذ يحتاج الطفيل إلى استيراد أجزاء من ميثولوجيا غريبة خصيصًا فهذا لأنه مثل الفطر وغيره من الطفيليات، كائن غير معروف المصدر، يُمكن أن يوجد في أي مكان وأي زمان، في قطعة خبز منسية على طرف من منضدة المطبخ، أو على حلوى في ثلاجة ضخمة بإحدى متاجر الحلويات.
لهذا فإن الوحيد القادر على الحركة خروجًا ودخولًا من المول هو الطفيلي، في حين أن الأشخاص المحبوسين بداخله محرومين من نفس القدرة على الانتقال، فهم في حكم وأمر بُنية المول. تُبني المولات وفي الاعتبار غرضها التجاري، أي أنها تحتوي على بوابات مخصوصة وتأمينات على النوافذ، بكلمات أخرى، تخضع مخارج-مداخل المول إلى الحاجة الماسة لحماية البضائع والموجودات بالداخل. في القصة تُقلب هذه العلاقة وتتحول الحاجة إلى حماية البضائع لحبس من هم بداخل المول، قد يبدو هذا امرًا غير مقصودًا، لكن المول ليس سوى بُنية بشرية ترجع إلى حاجة أصحابها، بالتالي يُمكن أن يُحبس الأشخاص في أي وقت حتى بدون الحاجة إلى كائن خرافي يتحكم بشكلٍ أسطوري في ذات المخارج والمداخل، هذه البنية القابلة للتلاعب موجودة في أماكن أخرى تاريخية تسبق وجود المول، مثل قلعة محمد علي التي سهلت أمر تنفيذ المذبحة.
بالرغم مما يبدو إنه إمكانية لقصة رعب نفسي بتنويعات على الكليستروفوبيا، لم تستغل "أسطورة الطفيل" هذه الإمكانيات، واكتفى الطفيل بأن يظهر فقط بالقرب من دورات المياه أو بقع المياه القذرة، لأن مصدره الطين، ولم يظهر أبدًا في أي تجمع (سوى في النهاية عندما كان رفعت إسماعيل قريبًا من مصدره في المجاري). بالطبع يفرض هذا مشكلةٍ ضخمة، لأنه يُمكن للمحبوسين أن يتجنبوا الطفيل وأن يظلوا مكانهم، وهو ما حدث جزئيًا، لولا أن السرد أنقذ نفسه بالدوافع الماورائية التي كانت تحرك الكاهن الآسيوي المرافق لرفعت ليواجه الطفيل، وعن طريق هذه الحركة تمدد السرد لمواقف كثيرة جانبية كانت لا تحرك القصة بشكلٍ حقيقي.
في احد هذه المواقف الجانبية، يلتقى رفعت إسماعيل مع مجموعة من المرافقين بالكائن الطفيلي، يقطع رفعت إسماعيل جزءًا من أطرافه التي تنمو لتمتص الحياة من الآخرين ويُقرر فيما بعد أن يتخلص منها بالحرق تجنبًا لأن تنمو إلى طفيلي مستقل. “كنا هناك في دورة مياه بالطابق الثالث ، وقد قام ( إبراهيم ) الخفير بإغراقه بالكيروسين ثم ألقى عليه عود ثقاب . لابد أنه شعر بالحنين لأنه تذكر حرق الثعابين في الحقل في قريتهم ..”، بعيدًا عن ملاحظة رفعت إسماعيل ذات الأبعاد العنصرية في الإشارة لحنين الخفير إلى فعل همجي مثل الحرق لأنه مرتبط بقريته، تشبيه النمو الطفيلي بالثعابين هو امتداد لدلالات الزيادة والوجود الغير مرغوب فيه، وهي الدلالات التي تكوّن وجود الطفيل في مكان المول. مثل أن الثعابين تتسلل في أماكن بشرية مُنظمة وذات سياق مُحدد (الريف)، فالطفيل أيضًا يتسلل إلى أماكن مماثلة، أماكن مخصصة للبشر، ومثلما تتناسب الثعابين في بساطتها وحجمها المحدود مع طبيعة الريف البدائية، فالمول يوُجد متسلل خرافي أبعاده كونية.
يُشير رفعت إسماعيل نفسه إلى هذه الحقيقة، "لو وجد خطرًا في صورة عصابة من القتلة المسلحين لكان هذا رائعًا". عدو المول والحداثة ليس عدوًا على نفس الدرجة من الحداثة، ولكنه عدو شديد البدائية حد أنه خارج حدود العالم الطبيعي. يُمكن قراءة هذا على أنه في بيئة شديدة النظافة ومعادية للطبيعة مثل المول لا يُمكن للطبيعة المعروفة أن توجد، تلك الطبيعة التي ترى في الحيوانات المشردة مثلًا أو نمو النباتات الغير مرغوب، بالتالي فالنمو الوحيد الممكن هو نمو فجّ وقوي بما فيه الكفاية ليتحمل نظافة بيئة مثل هذه. لكن الطفيل، مثله مثل أي كائن حي، في حاجة إلى مصدر للغذاء، ومصدر غذاء هذا الطفيلي هو البشر، أو بالتحديد أجساد البشر.
في منتصف القصة يتعرض رفعت إسماعيل لهجوم من الطفيل بعدما انفرد على جانب (بسبب أنه "أراد أن يفكر بهدوء وبروية في معطيات المشكلة"، ولا يوجد سبب مفتعل أكثر من هذا، لكن السرد كان في حاجة مستمرة إلى مثل هذه الأسباب، لأنه كما ذكرت لم يكن الطفيل قادرًا على أن يتحرك بشكلٍ مطلق الحرية، وكان ملزمًا فقط بأماكن وأنماط بعينها من الحركة)، يفقد رفعت إسماعيل وعيه والكائن الطفيلي يمد ممصاته عليه، لكنه يستيقظ ليجد نفسه وقد أنقذ. يُفكر رفعت إسماعيل في سبب نجاته "[..] الاحتمال الآخر هو أنه تحسسني فقدر أنني أموت .. لا توجد دورة دموية تقريبًا والنبض واهن والوعي غائب .. هكذا وجد أنه لن يحقق شيئًا لو امتص طاقتي .. لن تضيف له شيئًا أو لعلها تضعفه [..]”، يذكرنا هذا بمعضلة مصاص الدماء الذي لا يجد الحياة إلا في دماء البشر وليس مثلًا في دماء الأرانب أو الفئران (كان في سلسلة روايات Twilight مصاص دماء أخلاقي مثل هذا "يُصبر" نفسه بدماء الحيوانات). لماذا لا يمتص الطفيل السوائل بدون تفرقة؟ كلها في النهاية شئ واحد بالنسبة له، لأن رفعت إسماعيل يجب أن يعيش ويُزعجنا بثرثرته، ولأن القصة تتمزق بين الرمزي والواقعي، أحيانًا يُرى الطفيلي على أنه كائن فيزيائي خطير يهدد وجود من هم بالمول، وأحيانًا أخرى يُرى على أنه كائن خارق يهدف إلى تدمير الواقع والاستيلاء على طاقته.
يُمكن مد تعريفات الطفيل إلى أشكال متعددة تتعين كلها بالتضاد إلى الحداثة، معظمها كما ذكر مبني على التدخل والوجود الغير مرغوب/متحكم فيه، الطبيعة والنمو الغير محسوب. على سبيل المثال يشير رفعت إسماعيل في شاعرية (غير مقصودة على الأرجح) إلى أن "[..] المجاري كلها هي الطفيل .. المجاري هي الكائن الحي الذي يهددنا ..”، وكأن المجاري، التي تتعين في علاقة من السفلية والتحتية بالقياس إلى ماهو أعلى (أو بكلمات أخرى، الحضارة البشرية على السطح)، صارت فجأة هي مصدر المعنى الأولي في هذه العلاقة وتقدمت في أهميتها. لا تُنسب الـagency للكائن الطفيلي بشكلٍ مقصود، فهو كائن غير عاقل، يفتقد لأي معنى حقيقي وذاتي، لأنه بالأساس موجود ليدمر ويضرب طاقة الوجود.
بالرغم من ذلك، فإن أفعال وتصرفات الطفيلي تؤثر وتتحكم في الأشخاص بشكلٍ مباشر: في القصة بطلة ثانوية، واسمها نادين، تعمل بمتجر في المول وتُعاني من مطاردة طليقها واسمه مروان، وهو مختل عقليًا حد أنه كاد يقتلها ذات مرة في مكان عملها. تكتشف نادين أن طليقها كان معهم عندما حُبسوا بداخل المول، وتذعر من هذا الاكتشاف لأن ابنها كان معها أيضًا في المول وقتها. تُجبر نادين على مواجهة طليقها بشكلٍ نهائي نتيجة لتدخل الطفيل الذي حبس الجميع بداخل المول، وفيما بعد يختطف مروان ابنها، لكن الطفيل يتدخل مجددًا لينقذ الطفل (لاحظ التشابه بين الطفيل والطفل، فكر رفعت إسماعيل في شئٍ مشابه، وكانت نتيجته أنه ظل على مدار ربع الرواية يطارد الطفل ظنًا منه أنه هو الوحش الحقيقي بالإضافة طبعًا إلى السرد الذي أخذ فرصته في مطاردات جانبية)، فيقتل مروان ويمتص الحياة من جسده.
يُمزق الطفيل النسيج الاجتماعي ويبعث فيه الاضطراب تمامًا، يقتل أطفالًا وعمالًا، وأيضًا يقتل طليق نادين، وهي الآن صارت نادين حرّة من جنونه. يمتد هذا التحكم الطفيلي في النسيج الاجتماعي إلى اقتصار الطفيل على قتل من هم في عزلة أو بعيدون عن الحشود، وهو بمثابة عقاب على الحياد والابتعاد عن الجماعة. لا يعترف الطفيل بالسلطة والعلاقات الاجتماعية؛ يقتل الطفيل مدير المول (وهو ما يتسبب في الصدمة للعاملة نادين التي تتعجب من أنه كان قادرًا على تشويه المدير بالذات من بين كل الأشخاص) وكذلك العمال.
لا يُمكن أن يقضى على الطفيل باستخدام طريقة من الطرق البسيطة إذًا، طُرق مثل المبيدات الحشرية أو النظافة المستمرّة (أو الحرق كما حن الخفير إليها)، يحتاج الطفيل إلى ما يوازي ضخامته الخرافية. ويُدرك الكاهن المصاحب لرفعت هذا الأمر، إذ أنه بالأساس كان محكومًا عليه بمواجهته، فيضطر للتخلي عن كتاب طائفته المقدس الذي هو آخر نسخة منه، وعندما يبتلعه الطفيل يكف أخيرًا عن النمو وعن الوجود. كانت الكلمة الأخيرة إذًا للطفيل: هو من قرر، بعد أن بُذلت في سبيله تضحية ضخمة، أن ينصرف بعيدًا.

0 التعليقات:
إرسال تعليق
اهلا