عرفت رواية الباب المفتوح من ترشيحات الجزيرة التي منها أيضًا عرفت رواية "أيام الإنسان السبعة"، وشتّان مابين هذا وذاك. رغم تقاربهما في الفترة الزمنية، فرواية أيام الإنسان السبعة أكثر ترويًا ووضوحًا، لكن رواية الباب المفتوح لم تكن موفقة في رسالتها النسوية الواضحة. وهو أمرٌ مدهش نوعًا ما بالنظر لكون النسوية وقتها في موجتها الثانية، وهي موجة متطورة فكريًا قياسًا علي الباب المفتوح. لكن بالنظر إلي سرعة التطور الفكري في العالم الثالث تزول الدهشة. بأية حال، لم تكن لطيفة الزيات موفقة حتي علي المستوي الأدبي، وهو ما يستدعي بعض النقاش، فقد كتبت لطيفة بلغة مريعة تكاد تخلو من أي استخدام للضمائر، ويشيع أن تجد قطعًا مبدوءة بالاسم لفاعل كانت الجملة أو القطعة السابقة موضوعه، ولأن القطع قصيرة، يسهل أن تجد أربع قطع في نفس الصفحة مبدوءة كالتالي "واحتد رمزي… وهدأ رمزي… وأشار رمزي… وبعد أن انتهى رمزي…”، والراوية في مجملها لا تخرج عن هذا النسق، وساهم هذا في تجزئة الرواية بشكل واضح، فكل قطعة تبدو كجزيرة منفصلة عن غيرها في سردها، والرابط بينهم هو "الأحداث" التي لا تعاني الرواية من قلتها. وتحاول الرواية هنا استغلال التاريخ في الانتقال من المنظور الشخصي للمنظور الجماعي والعكس صحيح، وكأن هذا ما تحتاجه الرواية حقًا في صراعاتها مع نفسها، فلم تنجح الرواية في الموازاة بين الخطين، ولكن فقط بإدراج بعض الشخصيات في الصراع كنوع من التدليل علي التأثر وكانت نتيجته أن المشهد "الملحمي" في نهاية الرواية بدا وكأنه جزء من رواية أخري تمامًا. تحضرني هنا مقارنة أخري مع رواية 1919 لأحمد مراد وإن لم تكن أفضل رواياته لأسبابٍ عدّة، لكن الارتباط العضوي بين مصير الشخصيات وتطور السرد كان واضحًا، بل وكان نقطة مهمة جدًا في الحبكة. هنا لا يؤثر التاريخ علي الشخصيات إلا بقدرٍ محدود، يُستدعي في البداية ثم يصير ضيفًا أثقل مع كل مرّة، وليس لأنه يفترض أن يكون التاريخ حاضرًا دائمًا، لكن الفترة التاريخية وقتها كانت مؤثرة للغاية، وكانت هناك حرب، ثم إن الشخصيات لا تعيش حياتها وحسب، بل تُسهب الرواية في تفاصيل حياتهم وذواتهم حتي ينسي القارئ تمامًا البيئة الزمنية. وهي معاملة سيئة نوعًا ما خصوصًا وأن هذا التاريخ وفّر فرصة ممتازة لإنهاء الرواية في أفضل أسوأ شكل ممكن.
لم يكن اللجوء لنهاية سيئة كهذه، نهاية تحاول أن تكون متفائلة وسعيدة بإفراط يفرض نفسه علي القارئ. لم يكن كل هذا سوي نتيجة منطقية لفشل ليلي المتكرر في معالجة مشاكلها، فقد ذهبت إلي بورسعيد بعد إدراكها المتأخر بأنها مقبلة علي الزواج من مريض نفسي. وهو هروب آخر يحسب لفشل ليلي في معالجة مشاكلها، فبدلًا من المواجهة المستحيلة نتيجة للقرارات الفادحة أدركت الكاتبة متأخرًا مع ليلي أن الأفضل هو تحميل المشاكل لمكان آخر. وكانت مشاهد الحرب سينمائية أكثر منها أدبية، أي أن منظور البطلة كان مختفيًا، لم يكن هناك منظور فردي، وكانت الوصف ينتقل هنا وهناك، بجمل قصيرة للغاية ومتنوعة في نقاط تركيزها. ليس الأسلوب سينمائيًا هنا فقط، ولكنه واضح عندما تُسهب الكاتبة في وصف مشهدٍ ما، وكأنها تكتب سكريبت لما يجب أن يبدو عليه هذا المشهد، هناك تركيز علي ملامح الوجه وحركات اليد والجسم كثيرًا. وكأن ما يُكتب ليس رواية فيها مساحة ضخمة لتخيل القارئ.
يوصف التركيز الواقعي في الوصف بالـmimesis، وهو شكل يكمله الشكل السردي الآخر الذي يختصر فيه الكاتب الأحداث كي يسرع السرد لنقطةٍ ما، أو الـdigesis. والإخفاق في التوازن يجعل تسارع الرواية مضطربًا، أي كما حدث هنا، إذ تختصر الرواية مشاهد مراهقة ليلي التي ذكرت بلا أي داعي كي تصل لنقطة بلوغها ومن ثم تحدياتها الجسدية الجديدة. ثم تركز فجأة علي مشهد محادثة بين شخصيتين وتصف حركاتهما بالتفصيل. ثم تختصر أيام وشهور من حياة ليلي بلا أية مشاكل. لنأخذ مثالًا من محادثة رمزي مع ليلي وأبوها:
“وإنقبض وجه رمزي لحظة ثم عاد إلي جموده، وقال في سخرية بعد أن إرتخي في جلسته: ولما إنت فصيحة كده، منجحتيش بتفوق ليه؟!”
تحاول الكاتبة هنا تشنيع صورة رمزي لمن لم يدرك بعد أنه شخص سئ. ولاحظ التفاصيل في جملة تتكون من ستة عشر كلمة فقط: ١. انقباض وجه رمزي ٢. عودة وجه رمزي لجموده ٣. حديثه ونعت الحديث بالسخرية ٤. ارتخاءه في جلسته ٥. كلامه. كل هذا وهو جزء من مشهد حواري، وهي المشاهد المعروفة بأهمية الحوارات – بشكلٍ طبيعي – في تشكيلها. يمكن تخيل صياغة أكثر سلاسة كـ"انقبض وجه رمزي، لكنه عقّب في سخرية "ولما إنت فصيحة كده...". كافية للتعبير عن نفس المشاعر والتغيرات بدون التفاصيل المُرهقة. والأولي بأية حال أن يكف الكاتب عن الإلحاح علي ذهن القارئ بما يتخيله هو ما يجب أن يكون عليه، أي، خير الزيارات اخفها.
من المخيب للآمال أن تكون هذه الجمل الموجودة بشكلٍ غالب ضمن رواية كانت إفتتاحيتها "«کانت الأمسیة أمسیة21 فبرایر سنة 1946م والساعة السابعة والهواء ساکن فیه برودة محببة والجو نظیف كما لو كانت السماء قد أمطرت وغسلت الأرض" لكن ما يحدث هنا هو علامة علي مشكلة أكبر: الأسلوب التعليمي للرواية. أي الروايات وفيها السارد قد صار مربيًا وواعظًا، والأحداث تتحرك في الاتجاه الذي يسمح ببعثرة الحكم هنا وهناك، ولأن روايات الوعظ تحادث قارئًا غير ناضج وتفترض فيه مستوي فهم قليل، يكثر التدخل المؤثر علي سلاسة الأحداث. كمثال، خُصص الفصل الواحد والعشرون لوصف حلم ليلي بعد إدراكها في خيبة بأن تراجعها عن الزواج من رمزي صار من الماضي، وكأي حلم، يفترض بأن يكون تدخل الرواية قليلًا قدر ما أمكن، لا تفسير ولا تأويل. لكن ليلي تخترق هذا وتبدأ في تفسير حلمها في منتصفه، رغم أن الحلم كان واضحًا للغاية بعناصره التمثيلية الفجّة، وإسقاطاته الواضحة علي "تخلف" العادات والتقاليد التي لا تنفع أحدًا. بالرغم من كل هذا، شعرت الكاتبة بأن القارئ في حاجة لمعرفة أن ليلي تعرف من في الأحداث، وهو إن لم يحسب تدخلًا علي الكاتبة، فهو يحسب ضمن أفعال ليلي الغبية التي تمتلأ الرواية بها، ووعيها المحدود بشكلٍ مستفز.
كان وعي ليلي المحدود ظاهرًا في أوقات كثيرة من بينها المرحلة الجامعية نتيجة للإطالة الغير مفهومة، وما كان فيها من الأحداث الجانبية التي لا تضيف شيئًا سوي الانتباه والتدقيق علي بلاهة ليلي وانسياقها المبالغ فيه وراء عديلة. لطالما كانت ليلي غبية بشكلٍ يثير الريبة في رسالة الكاتبة، فهي قد تقع في الحب إذا ما ألقي شخصٌ عليها التحية، وهي تتفاعل بشكلٍ مبالغ فيه مع مشاعر الآخرين في حين أنها تفشل أحيانًا في فهم وتوقع مصائب كالشمس في وضوحها عز الظهيرة. فمثلًا في الفترة التي سبقت زواج ليلي برمزي، كانت أمها تريد حفل زفاف وهو ما كان لا يتوافق مع مبادئ وشخصية الأستاذ الجامعي المرموق رمزي. لكن ليلي الغارقة في هيام رمزي تحاول فتح الموضوع معه، رغم ما أحدثه رمزي من "نكد في البيت" استمر أيامًا كما جاء في الرواية، وكانت تحاول إقناعه باقتراح صديقتها بأن يقام حفل علي الضيق، يسألها رمزي بعد ضيق هل هي مقتنعة بكلامه أم لا؟ فتخبره بنعم، فيرد رمزي "بس ضروري تفهمي يا ليلي، إني تنازلت عشان خاطر والدتك، وإني ما أنتظرش أبدًا إني أضطر للتنازل مرة تانية، وفي المستقبل ضروري رأيي ورأيك يكون حاجة واحدة" فيكون رد ليلي بأنها تفهم موقفه تمامًا وتقدره، ثم تتنفس بعده في إرتياح. بعدها يتدخل رمزي في تفاصيل تطريز فستان ليلي، وتلفت صديقتها إنتباهها "هو الرجالة هتتدخل في هدوم الستات كمان … الست لما تنخ للراجل من أول يوم يركبها ويدلدل رجليه" فتشعر ليلي بوخزة في قلبها من أنها سلمت نفسها بهذا الشكل لرمزي. هنا تشعر ليلي بالقلق بعد تدخل رمزي في تفاصيل ملابسها، لكنها لا تشعر بأي مشكلة عندما يخبرها رمزي بالبُنط العريض بأنها المرّة الأخيرة التي سيكون لها رأي مسموع.
لكن بلاهة ليلي تمتد أحيانًا لتخترق رسالة الرواية النسوية. يأتي عصام لزيارة ليلي وتهنئتها بزواجها برمزي، فيخبرها بابتسامة خجولة "أول بنت لي حاسميها ليلي، علي اسمك"، تشعر ليلي بالخجل إزاء موقفها، وأنها "تافهة وحقيرة"، وأن "عصام الذي احتقرته يومًا أفضل وأشجع منها" لأنه "لا يريد أن يتنصل لعاطفة أصيلة ملأت قلبه يومًا … ما زال يدخرها في قلبه كشئ جميل يعتز به. وهي تتنكر لهذه العاطفة … وتسميها في قسوة وجفاف لعب عيال". في الرواية أيضًا يغتصب عصام ليلي ويتعدي عليها جسديًا، ويخون حبهما بعلاقته الجنسية مع الخادمة التي لا يعتبرها خيانة حقيقية لأنها مجرد علاقة جسدية. لا أعتقد أن الغباء هنا كان محدودًا علي ليلي وحدها، ولكن أيضًا من يعتقد أن التسامح مع هذه الأفعال شديدة الذكورية ممكن طالما أن الشخص يدخر مشاعر جميلة، ومن صعب عليه فهم الـgaslighting فليقرأ وليستزد من الرواية. فهي مليئة بالتصرفات الغبية المسيئة لليلي والتي دائمًا ما تتقبلها ليلي بالهوان والتسامح، ليس كالمسيح، ليس كإنسان مصاب بالعته المنغولي، ليس حتي كإنسان تربي وسط الحيوانات ولا يمتلك وعيًا اجتماعيا. لكن كأسوأ شخصية يمكن أن تحمل رسالة نسوية حتي ولو كانت ثورية علي وقتها. إن ليلي لا تقدم سوي نماذج سيئة للمرأة التي يُفترض بها أن تعتبر أنها سبب المشاكل دائمًا وأن تسامحها مع الآخرين فرض قبل أن يكون له مبرر. كيف كانت رواية الباب المفتوح لتستقبل لو أن أفكارها جزئت في بوستات فيسبوك مثلًا؟
0 التعليقات:
إرسال تعليق
اهلا