أول مرّة قرأت فيها لبارت كانت كتاب الأسطوريات، ما زلت أذكر كيف كان نثره يدفعني أحيانًا للجنون. لنثر بارت خاصية عجيبة، لأنه مُمتلِئ بالمجازات والكنايات والاستعارات، تُستخدم اللغة وتحوّل بأشكال مختلفة لتنتج معاني تدخل بدورها في تكوين معاني أخرى وهكذا. بكلمات أخرى، نَثَر بارت يشبه السلسلة، فهو لا يتوقف عند معنى واحد، وإنما يمتد. إذا كان التعبير عن معنى ما يحتاج لجملة واحدة، أو لعددٍ ما من الجمل أيًا يكن، وإذا كان هذا يعني أن ترتيب المعنى سيكون جملة 1 ثم جملة 2 ثم جملة 3 وهكذا، فإن نثر بارت سيسلك طريقًا جديدًا: مجاز أو كناية مذهلة، ولأنها غريبة لأول مرّة، سيضع مزيدًا من المجازات والاستعارات لكي توضح كلها مع بعضها معنى الجملة. بالتالي يصير ترتيب معناه أشبه بالتالي: جملة 3 ثم جملة 1 ثم جملة 2 ثم جملة 1 ثم جملة 3 ثم جملة 2 وهكذا، دون نقطة توقف أو نقطة بداية واضحة.
قد يكون صعبًا تخيل أمرًا كهذا، لنأخذ إذًا مثالًا من إحدى كتبه الشهيرة، S/Z الذي يُحلل فيه نوفيللا "سارازين" للكاتب الفرنسي بِلزاك. الاقتباس من النسخة الإنجليزية عن الأصل الفرنسي لجهلي (رغم أنني أقف عند ما يقارب الـ1300 يوم من التمرين في دولينجو!):
To read, in fact, is a labor of langauge. To read is to find meanings, and to find meanings is to name them; but these named meanings are swept toward other names; names call to each other, reassemble, and their grouping calls for further naming: I name, I unname, I rename: so the text passes: it is a nomination in the course of becoming, a tireless approximation, a metonymic labor.
S/Z (p. 11), Barthes.
الفقرة جزء من تعليق بارت على معنى النص وعلاقته بالنسيان، تُلخص فكرة التعليق بأن النسيان جزء أساسي من عملية القراءة، وأن القراءة تحدث لأنها معتمدة على النسيان. في الفقرة يُحلل بارت هذه الفكرة، فيذكر أن القراءة هي "كَدح في اللغة"، يتعلق الكدح بمعاني التَعَب والمجهود، وهو جزء مما يقصده بارت هنا، لكنه ليس الجزء الأهم. المعنى الأهم من مجاز الكَدَح هو ارتباطه بالعمل المتواصل والمتكرر، لا توجد "لحظات مميزة" أو "نِقَاط توقف" في الكدَح، فكر في سنين الخبرة التي تملأ سيرتك الذاتية (على الرغْم أن سيرتي الذاتية تخلو منها)، هل يُمكن أن تفصل أيًا من هذه السنين إلى لحظات معينة؟ بالطبع توجد ذكريات محددة، ولحظات أهم من غيرها، لكن عمومًا وفي المتوسط، كل سنين الخبرة متشابهة ومُتصلة، وهو ما يؤكده حقيقة أنها مجرد أرقام.
يُعد مجاز الكَدح مثال جيد على نثر بارت المتشابك، من الممكن فهم هذا المجاز بأكثر من طريقة وشكل، كما ذكرت مثلًا، من الممكن أن يُفهم على أنه إشارة إلى التعب الذي تتضمنه القراءة (من محاولة الفهم)، ولكن الجمل التالية، وهي بدورها مجموعة من المجازات الأخرى، تُوضح المجاز الأول وتُعيد تشكيله، حتى الجزء الأخير من الفقرة، حين ينتهي المجاز، يبدو وكأن الفقرة تبدأ نفسها من أول وجديد.
يُمكننا أن نصف هذا الامتداد في المجازات والأفكار بالريزومي، وهي خاصية مميزة للغة بارت اللعوبة. الريزوم هو بالأساس مصطلح ينتمي إلى علم النبات، ويُشير إلى نوع من النباتات تنمو جذوره تحت التربة بشكلٍ مُعقد. استخدم مصطلح الريزوم في النظرية الأدبية والفلسفة الكاتبان ديلوز وجيتاري، وغالبًا ما يعني الريزوم فكرة بدون نقطة بداية واضحة، وتشعبات دون ترتيب "هرمي" مرئي. ماذا إذًا لو بدلًا من النثر الريزومي الذي يُتوه قارئه، حولناه وشذبناه إلى امتداد رأسي مُرتب، يبدأ من نقطة مُحددة، وينتهي عند نقطة مُحددة كذلك؟ يُشبه هذا الأسلوب الذي يُكلمك به الذكاء الاصطناعي عندما يشعر بغبائك، فيرتب المعلومات في صورة نقاط ونقاط فرعية وكل نقطة تحتوي بالكاد كلمة أو كلمتين.
يُعد مجاز الكَدح مثال جيد على نثر بارت المتشابك، من الممكن فهم هذا المجاز بأكثر من طريقة وشكل، كما ذكرت مثلًا، من الممكن أن يُفهم على أنه إشارة إلى التعب الذي تتضمنه القراءة (من محاولة الفهم)، ولكن الجمل التالية، وهي بدورها مجموعة من المجازات الأخرى، تُوضح المجاز الأول وتُعيد تشكيله، حتى الجزء الأخير من الفقرة، حين ينتهي المجاز، يبدو وكأن الفقرة تبدأ نفسها من أول وجديد.
يُمكننا أن نصف هذا الامتداد في المجازات والأفكار بالريزومي، وهي خاصية مميزة للغة بارت اللعوبة. الريزوم هو بالأساس مصطلح ينتمي إلى علم النبات، ويُشير إلى نوع من النباتات تنمو جذوره تحت التربة بشكلٍ مُعقد. استخدم مصطلح الريزوم في النظرية الأدبية والفلسفة الكاتبان ديلوز وجيتاري، وغالبًا ما يعني الريزوم فكرة بدون نقطة بداية واضحة، وتشعبات دون ترتيب "هرمي" مرئي. ماذا إذًا لو بدلًا من النثر الريزومي الذي يُتوه قارئه، حولناه وشذبناه إلى امتداد رأسي مُرتب، يبدأ من نقطة مُحددة، وينتهي عند نقطة مُحددة كذلك؟ يُشبه هذا الأسلوب الذي يُكلمك به الذكاء الاصطناعي عندما يشعر بغبائك، فيرتب المعلومات في صورة نقاط ونقاط فرعية وكل نقطة تحتوي بالكاد كلمة أو كلمتين.
![]() |
نمو الريزوم |
من أجل أن يحدث هذا التحويل والتشذيب، لابد للمجازات أن "تُفك" و"تُفتح" تشابكاتها، بكلمات أخرى، يجب أن أقدم معنى أو تفسير تحت كل جملة، بحيث يُغني هذا عن الحاجة إلى التيه في النثر بدون حركة واضحة. وهو ما سأحاول أن أفعله تاليًا.
- To read, in fact, is a labor of language
الكدح مُستمر من حيث أنه مثل بعضه. 8 ساعات من العمل هي في النهاية "عمل" لا يُمكن فصله أو تقسيمه.
مجاز: كدح ويعني به القطعة الواحدة المُحددة من العمل المستمر والمتواصل بلا أي تمييز
- To read is to find meanings, and to find meanings is to name them; but these named meanings are swept toward other names
في أثناء القراءة، تتكون المعاني في ذهنك، لكن هذه المعاني تزاحم وتتحرك نحو معاني أخرى. في الصفحة الأولى تفهم معنى أو معنيين، في الصفحة الثانية تفهم معنى أو معنيين آخرين وتزاحمهم معاني الصفحة الأولي، وهكذا تستمر المعاني في مزاحمة بعضها خلال القراءة.
مجاز: تسمية المعاني ويعني به أن تُعرف المعاني وتُحدد
- names call to each other, reassemble, and their grouping calls for further naming
لكن هذه المعاني لا تزاحم بعضها في المطلق، بعض المعاني تتجمع مع بعضها لتكون معاني أكبر. فكّر في المحاضرات والطريقة التي تدرس بها، هناك محاضرات تعريفية تمتلأ بالـ"معاني" التي تتجمع مع بعضها شيئًا فشئ، وعلى مدار المحاضرات في السنة الدراسية، تصير هذه المعاني معاني أكبر وأضخم، وتتلخص هذه المعاني في النهاية بمعرفتك الإجمالية بما درسته.
مجاز: تجميع المعاني ويعني به أن ترتبط المعاني مع بعضها لتكون معنى أكبر
مجاز: تجميع المعاني ويعني به أن ترتبط المعاني مع بعضها لتكون معنى أكبر
- I name, I unname, I rename: so the text passes
لهذا فإن عملية قراءة النص تتضمن فهمًا مستمرًا لهذه المعاني. فكّر في قصص التحرّي والإثارة، كيف أنك قد تكون افكارًا (معاني) عن الشخصيات وقد تشك في شخصيةٍ ما نتيجة للمعاني التي كونتها، لكنك تكتشف أن هذه المعاني كانت خاطئة. أنت إذًا "ألغيت تسمية" هذا المعنى.
- it is a nomination in the course of becoming, a tireless approximation
لأنك على مدار النص تُحاول فهم العمل، فالمعنى في حالة من "التكون". يستخدم بارت مجازًا بديعًا لوصف هذه العملية: تقدير دؤوب. التقدير والتقريب الذي يحدث لمحاولة الوصول إلى المعنى لا يتوقف، ورغم أنها عملية دؤوبة لا يكل فيها القارئ ولا يمل، فإنه لن يصل أبدًا، لأنها ما زالت "تقديرًا/تقريبًا" للمعنى.
مجاز: تسمية ويعني به أن يُعرّف النص وأن يُعرف معناه
مجاز: تقريب ويعني به من المستحيل الوصول للمعنى نفسه ويُمكن فقط الوصول إلى نسخة متشابهة أو متقاربة معه
مجاز: تسمية ويعني به أن يُعرّف النص وأن يُعرف معناه
مجاز: تقريب ويعني به من المستحيل الوصول للمعنى نفسه ويُمكن فقط الوصول إلى نسخة متشابهة أو متقاربة معه
- a metonymic labor
يُشير استخدام مصطلح الكناية هنا إلى علاقة الارتباط، لا تتحدد الكناية بحد ذاتها، فالكناية تتكون ما بين طرفين: المُكنّى والمُكنّى عنه. تخيل أن الكناية مُدت لكناية أخرى، والكناية الأخرى مدت لغيرها وهكذا.. ما تعنيه الكناية بكلمات أخرى هو تكوين علاقات لا تنتهي بين المعاني وبعضها، ووصف "الكدح" بالكناية يُمثل خاتمةً مميزة للفقرة التي بدأت بالإشارة للقراءة على أنها كدح.
مجاز: كناية ويعني به العلاقات بين المعاني وبعضها مثل علاقة معنى الكناية بالمُكنى عنّه
مجاز: كناية ويعني به العلاقات بين المعاني وبعضها مثل علاقة معنى الكناية بالمُكنى عنّه
هل تُقدم قراءتي توضيحًا كاملًا بنسبة 100% لكلام بارت؟ لا أعتقد هذا، بل قد يجد البعض أن قراءة النص الأصلي أسهل من التعرّض المُسهب لكل جملة، مثلما تَفعل شروحات المُتون وكتب التراث التي تكتب فيها صفحة كاملة على سطر من المتن الأصلي. لكنني حاولت أن أشتبك ولو بشكلٍ شديد الهامشية مع نثر بارت، الذي لطالما أعجبني وأبهرني في بلاغته اللغوية. ومن المدهش أن ما أتحدث عنه يتشابه بطريقةً ما مع الفكرة التي يحاول بارت شرحها هنا، هو أن المعنى لا يتكون فوريًا، وأن المعنى ليس في حالة مُحددة من الوجود يُمكن فصله فيها، المعنى هو سلسلة معلقة ومتشابكة من المعانى التي تكون بدورها معاني أخرى وهكذا.
إذا كانت مجازات بارت متصلة ببعضها لدرجة أنها تجعل القارئ في حالة من تكوين المعنى المستمر، فإنها مميزة بالتحديد في الطريقة التي تُعبر بها. وصف القراءة بالـ"كدح" دون أن يعني هذا الكدح بشكل أساسي التعب أو المجهود المضني هو مثال على مجاز مميز، من الممكن القول بدلًا من ذلك أن القراءة عملية مُتصلة وغير قابلة للتجزئ، لكن مجازات بارت ونثره يُعيد تكوين المفاهيم العادية وتصويرها في أشكال بديعة ومختلفة. أحب أن أفكر في هذا على أنها "زوايا" تصوير مختلفة وغريبة، إذا كنّا نرى المعنى من زاويته المعتادة، فإن بارت سيزحف على الأرض ويصوره من زاوية أفقية بدرجة 23 من جنوب الناحية اليُسرى، وسينتج هذا صورةً غريبةً جدًا من المعنى، حد أنها قد تبدو معنى جديد تمامًا!
بل إن ما فعلته يُمثل إعادة تكرار لما كان بارت يفعله في الكتاب نفسه، يُناقش كتاب S/Z تعدد المعاني والتجزئة التي يُمكن أن تنتجها تجارب القراءة المختلفة، في الكتاب يقوم بارت حرفيًا بتجزيء الرواية التي يحللها إلى "بُنى معنى" lexemes تصل إلى ما يزيد عن 200 بنية! وكل بنية تلحق بها أكواد لغوية تُحدد ارتباطات هذه البنية، والطريقة التي تخلق بها المعنى. رغم ان القصة – قصة سارازين – مباشرة نسبيًا، قصة مكتوبة بروح الرومانسية الفرنسية من القرن التاسع عشر، وهو ما يحوله بارت بشكلٍ مُدهش إلى تصنيف من الكُتب يدعوه بالـreaderly، أي الكُتب التي "تُقرأ" فقط، عكس الكتب الـwriterly، الكُتب التي "تُكتب"، أو الكتب التي يتحكم القارئ وحده في معانيها.
ليس هذا غريبًا على أجواء بارت، صاحب اعلان موت المؤلف. S/Z عبارة عن نقد مُضني لقصة هي أبعد ما يكون عمّا يقرأه بارت فيها، وليس أدل على هذا من تعليق أحد مُراجعي الكتاب من أنه "يوفر متعةً لذلك النوع من الناس ممن لا يمتلكون مُتعةً فطرية في قراءتهم للأدب". ما يشير إليه التعليق هو بطبيعة الحال تفصيص قصة سارازين، وهي القصة الممتعة بشكلٍ ملحوظ إذا قرأت بشكلٍ عادي، وبارت غير قادرًا على الاكتفاء بالمتعة الطبيعية/الفطرية التي تقدمها القراءة العادية للقصة. بالطبع ما يفعله بارت وما كانه مشروعه النقدي مبني على ذات النقطة التي يشير إليها الُمراجع المذكور: تحليل المعاني "الطبيعية" وتوضيح البُنى الثقافية/الاجتماعية التي تقف خلفها، الأسطوريات هو أشهر محاولات بارت في هذا الأمر. إذا كنا نستمتع بقراءة سارازين بشكلٍ "فطري" فهذا لأن هذه الفطرة نتيجة لبُنى ومؤسسات ثقافية واجتماعية أوجدت أنواعًا واستراتيجيات بعينها من القراءة، وهو ما يُحاول بارت أن يهدمه في كتاب S/Z.
من نفس التعليق النقدي المُقتبس منه بالأعلى، يقول بارت فيما يخص القراءة:
إذا كانت مجازات بارت متصلة ببعضها لدرجة أنها تجعل القارئ في حالة من تكوين المعنى المستمر، فإنها مميزة بالتحديد في الطريقة التي تُعبر بها. وصف القراءة بالـ"كدح" دون أن يعني هذا الكدح بشكل أساسي التعب أو المجهود المضني هو مثال على مجاز مميز، من الممكن القول بدلًا من ذلك أن القراءة عملية مُتصلة وغير قابلة للتجزئ، لكن مجازات بارت ونثره يُعيد تكوين المفاهيم العادية وتصويرها في أشكال بديعة ومختلفة. أحب أن أفكر في هذا على أنها "زوايا" تصوير مختلفة وغريبة، إذا كنّا نرى المعنى من زاويته المعتادة، فإن بارت سيزحف على الأرض ويصوره من زاوية أفقية بدرجة 23 من جنوب الناحية اليُسرى، وسينتج هذا صورةً غريبةً جدًا من المعنى، حد أنها قد تبدو معنى جديد تمامًا!
بل إن ما فعلته يُمثل إعادة تكرار لما كان بارت يفعله في الكتاب نفسه، يُناقش كتاب S/Z تعدد المعاني والتجزئة التي يُمكن أن تنتجها تجارب القراءة المختلفة، في الكتاب يقوم بارت حرفيًا بتجزيء الرواية التي يحللها إلى "بُنى معنى" lexemes تصل إلى ما يزيد عن 200 بنية! وكل بنية تلحق بها أكواد لغوية تُحدد ارتباطات هذه البنية، والطريقة التي تخلق بها المعنى. رغم ان القصة – قصة سارازين – مباشرة نسبيًا، قصة مكتوبة بروح الرومانسية الفرنسية من القرن التاسع عشر، وهو ما يحوله بارت بشكلٍ مُدهش إلى تصنيف من الكُتب يدعوه بالـreaderly، أي الكُتب التي "تُقرأ" فقط، عكس الكتب الـwriterly، الكُتب التي "تُكتب"، أو الكتب التي يتحكم القارئ وحده في معانيها.
ليس هذا غريبًا على أجواء بارت، صاحب اعلان موت المؤلف. S/Z عبارة عن نقد مُضني لقصة هي أبعد ما يكون عمّا يقرأه بارت فيها، وليس أدل على هذا من تعليق أحد مُراجعي الكتاب من أنه "يوفر متعةً لذلك النوع من الناس ممن لا يمتلكون مُتعةً فطرية في قراءتهم للأدب". ما يشير إليه التعليق هو بطبيعة الحال تفصيص قصة سارازين، وهي القصة الممتعة بشكلٍ ملحوظ إذا قرأت بشكلٍ عادي، وبارت غير قادرًا على الاكتفاء بالمتعة الطبيعية/الفطرية التي تقدمها القراءة العادية للقصة. بالطبع ما يفعله بارت وما كانه مشروعه النقدي مبني على ذات النقطة التي يشير إليها الُمراجع المذكور: تحليل المعاني "الطبيعية" وتوضيح البُنى الثقافية/الاجتماعية التي تقف خلفها، الأسطوريات هو أشهر محاولات بارت في هذا الأمر. إذا كنا نستمتع بقراءة سارازين بشكلٍ "فطري" فهذا لأن هذه الفطرة نتيجة لبُنى ومؤسسات ثقافية واجتماعية أوجدت أنواعًا واستراتيجيات بعينها من القراءة، وهو ما يُحاول بارت أن يهدمه في كتاب S/Z.
من نفس التعليق النقدي المُقتبس منه بالأعلى، يقول بارت فيما يخص القراءة:
The more plural the text, the less it is written before I read it; I do not make it undergo a predicative operation, consequent upon its being, an operation known as reading.
يُعرف بارت "تعددية" النص في ضمن اطاره المذكور من الـwriterly/readerly، وبذلك فالنص المكتوب هو نص أقل تعددية. بنفس الطريقة التي يمتلأ بها نَثر بارت بالمجازات والكلمات ذات المعاني المختلفة تمامًا، لا تعني الكتابة هنا ما تعنيه عادةً، ولكنها تُشير إلى مسألة وجود معنى مُسبق في النص. في النقد التقليدي، تنطلق القراءة من أساس أن الرواية/القصة لها معنى بداخلها، وأن الهدف هو الكشف عن هذا المعنى. لكن هذا ما ينفيه بارت هنا بالإشارة إلى كتابة النص بشكل أقل. وهو ما توضحه الجملة التالية بشكلٍ مباشر، القراءة ليست عملية predicative، أي أنها ليست عملية متعلقة بتحديد "جوهر" النص، وليست عملية معتمدة على وجود النص.
ما يدهشني هنا هو الطريقة التي عرّف بها بارت القراءة، إذا أعيدت ترتيب الجمل، فالقراءة ستصير كالتالي: عملية تُحدد النص، بناءًا على وجوده. لكن القراءة لا تعني القراءة، ووجود النص لا يعني وجوده كما ذُكر. فالإثنان مجازان ضمن مجازات كثيرة في نثر بارت المتشابك، أذكر تصريحًا مشابهًا يخص وجود النص، حينما ذكر الناقد الأمريكي بلوم في كتاب Deconstruction and theory أنه، حرفيًا، "There is no text”، من الصعب ألا يشعر القارئ بنفور مبدئي من التعبير الذي ينفي كليةً أمرًا بديهيًا كهذا، لكن هذه حالة نثر بارت.
رُبما يُبرر هذا حقيقة أن كل أعمال القراءة النقدية تعتمد على مُراجعة وتحليل ومناقشة المفاهيم المعروفة، وعلى هذا فهي دائمًا في حاجة إلى إعادة تعريف البديهي والمعتاد، عندما يُشير بلوم إلى انعدام وجود النص، فهو يؤكد على معنى مشابه لما يقوله بارت بخصوص القراءة، هو أن النصوص المكتوبة لا تحتوي معنى داخلي، والـtext هنا مجاز عن المعنى الداخلي أو جوهر النص. يعمل المجاز بشكلٍ فعّال لأنه ينفي وجود المعتاد ويُناقشه، حتى لو كان الأثر النهائي قابلًا للوصول بأشكال مختلفة، قارن بين تعبير بلوم و تعبير مثل "لا يوجد معنى داخلي في النصوص" وستعرف لماذا يَعمل هذا النوع من المجاز.
ما يدهشني هنا هو الطريقة التي عرّف بها بارت القراءة، إذا أعيدت ترتيب الجمل، فالقراءة ستصير كالتالي: عملية تُحدد النص، بناءًا على وجوده. لكن القراءة لا تعني القراءة، ووجود النص لا يعني وجوده كما ذُكر. فالإثنان مجازان ضمن مجازات كثيرة في نثر بارت المتشابك، أذكر تصريحًا مشابهًا يخص وجود النص، حينما ذكر الناقد الأمريكي بلوم في كتاب Deconstruction and theory أنه، حرفيًا، "There is no text”، من الصعب ألا يشعر القارئ بنفور مبدئي من التعبير الذي ينفي كليةً أمرًا بديهيًا كهذا، لكن هذه حالة نثر بارت.
رُبما يُبرر هذا حقيقة أن كل أعمال القراءة النقدية تعتمد على مُراجعة وتحليل ومناقشة المفاهيم المعروفة، وعلى هذا فهي دائمًا في حاجة إلى إعادة تعريف البديهي والمعتاد، عندما يُشير بلوم إلى انعدام وجود النص، فهو يؤكد على معنى مشابه لما يقوله بارت بخصوص القراءة، هو أن النصوص المكتوبة لا تحتوي معنى داخلي، والـtext هنا مجاز عن المعنى الداخلي أو جوهر النص. يعمل المجاز بشكلٍ فعّال لأنه ينفي وجود المعتاد ويُناقشه، حتى لو كان الأثر النهائي قابلًا للوصول بأشكال مختلفة، قارن بين تعبير بلوم و تعبير مثل "لا يوجد معنى داخلي في النصوص" وستعرف لماذا يَعمل هذا النوع من المجاز.
لن يكف نَثر بارت عن أن يكون مذهلًا وغريبًا، لكن مُلهم.


0 التعليقات:
إرسال تعليق
اهلا