الأحد، 29 مارس 2026

تأملات في الترجمة إلى ومن العربية.




أذكر أول مرّة قرأت فيها كتاب الأسطوريات لبارت، كانت النسخة العربية من ترجمة توفيق قريرة، مع توغلي في الكتاب أحسست بأن الترجمة لا تساعدني أبدًا، كنت أشعر بأنني أقرأ جُملًا غير قابلة للفهم، جُمل صحيحة لغويًا لكنها عديمة المعنى
. هكذا وجدتني أبحث عن ترجمة أخرى وظننت أنّي محظوظ لما رأيت ترجمةً أخرى فعلًا لقاسم المقداد، لأن الكتب المترجمة للعربية، خصوصًا لو كانت مُقرصنة، غالبًا ما تقتصر على نفس النسخة من نفس الترجمة. لكن قراءة الترجمة الأخرى سُرعان ما أعادت لي شعوري بالغرابة تجاه ما اقرأ، لما أكن أعرف عمّ يتحدث الكتاب فعلًا، كنت أقفز لجزرٌ من الكلمات المفهومة وسط مُحيط من اللامعنى. مع الوقت صِرت أرجع للنسخة الإنجليزية من ترجمة آنيت لَفَرز، وأستشيرها في مقارنة ثلاثية مع ترجمتي توفيق وقاسم، كانت أغرب تجربة قراءة أمر بها وأنا أتقافز بين ثلاث نوافذ على الكمبيوتر وكُلها لكتابٍ واحد. في النهاية شعرت بأنني قادر على قراءة الترجمة الإنجليزية وحدها، وتوقفت تمامًا عن مطالعة الترجمتين.

أصف شعوري بالـ"قدرة" لأنني كنت أعد القراءة بالإنجليزية نوعًا من الأفعال الكبيرة التي تتطلب تجهيزًا ضخمًا قبلها، بحيث أنه لا يُمكن أن تُفعل هكذا مرّة واحدة: لا يُمكن أن يجلس المرؤ على طاولته ويُقرر لحظيًا أن يفتح كتابًا بالإنجليزية ويقرأه. كنت أتخيل أن فعلًا مثل هذا يسبقه فترة ضخمة من فعل شئٍ ما، رُبما تعلم الإنجليزية بشكلٍ أكثر نظامية، لم تكن خيالاتي منظمة أو عقلانية لأنها كانت بكل بساطة مُبالغة شخصية. فأنا اعتدت على مُعاملة بعض الأفعال والأحداث في صورة من الخيال والأسطورة، فلا يُمكن مثلًا أن أشرب سيجارة هكذا وكأنني بحاجة لتجهيزات وتحضيرات طقوسية قبلها. لذا كانت الترجمات السيئة التي زادت من شعوري بالإحباط ذات أثرٍ ضخم على شعوري بالقدرة، لما كنت أقرأ الثلاث نسخ، وأجد أنني أفهم أكثر من النسخة الإنجليزية من مجموع ما تُعطيانه الترجمتان العربيتان، أحسست بأنني قادر على اتخاذ مثل هذه الخطوة، وأن ترجمة آنيت لَفَرز ستكون كافية وحدها لأطلع على عالم بارت.

قبل أن أصل لذاك القرار، سَردت بعض الأمثلة على سوء الترجمة في حسابي الشخصي بتويتر – يبدو أنني لست بالوحيد الذي كان يُعاني مع ترجمات بارت للعربية لأن أحدهم راسلني بعد التغريدات بشهور لتخبرني بأنها كانت مُتفاجئة من مستوى الترجمة السئ وغياب أي تعليق عليه – الآن مَر على هذه التغريدات ما يُقارب الثلاث سنوات وكثير من الكُتب المقروءة (المترجمة للإنجليزية) لبارت، بما فيها "أصعب" الكُتب مثل S/Z وWriting Degree Zero. لا يأخذن القارئ إشارتي هذه على محمل الادعاء المُبطن بأنني الآن أفهم بارت، أو أنني صرت "خبيرًا" به، إنما ما أريد قوله هو أن درايتي ببارت لا تقتصر على كتاب واحد، بالتالي لا تقتصر معرفتي بلغته – وما يترتب عليها من صعوبة الترجمة أو سهولتها – على كتابٍ واحد. سأعود إلى إحدى الأمثلة التي طرحتها من ذلك الوقت لأوضح ما أعني.

في ذلك المثال، أعترض على ما يُمكن وصفه بمشاكل لغوية جانبية: استخدام الضمائر، الاختلافات الطفيفة في اختيارات الكلمات. أذكر أن مُشكلتي الحقيقية وقتها مع الجُملة لم تكن في هذه المشاكل، وإنما كانت في تشخيص الحس السليم والعاطفة. التشخيص هنا عائد على حديث بارت الذي يقول فيه أن "الحس السليم والشعور لا يفهمان/يفقهان الفلسفة"، فالحس السليم والشعور يظهران في هيئة مجازية تصورهم أشخاصًا لهم القدرة على فهم الفلسفة أو التعامل معها. كانت أزمة تشخيص المُجرد موجودة من أول قراءتي لبارت وهي السبب الذي كان يجعلني متحسسًا للغاية من نثره وأسلوبه في المُحاجّة، فماذا يعنيه أن تكون الثقافة والنقود والكراسي والألعاب كلها شخوصًا قادرة على فعل الأشياء؟

يتحدث بارت – بنبرة ساخرة – عندما ينسب قدرة الفهم للحس السليم والشعور، لأنه يسخر من استخدام النُقاد المعروفين لهذه الكلمات في سياق حديثهم عن الكُتاب الطليعة (ترجمة Avant-garde)، فهم يرون في الأدب "الغريب" تمنعًا على الحس السليم والشعور، تلك القيم التي يستخدمونها في الحكم على الفن، بالرغم من أن الأدب الغريب (والفلسفة التي تُحيطه) تفهم كلًا من الحس السليم والشعور من منطق أنها قادرة على تفكيكهم ونسبهم لتصرفات اجتماعية بعينها – في سياق بارت: التظاهر بالجهل سعيًا وراء تقبّل العامة والجمهور الغير مُتخصص ممن يرى الأدب الحداثي غريبًا وشاذًا.

أسلوب تشخيص المُجرد ليس بغريب على لغة بارت، لكن الأساليب المجازية عمومًا ليست غريبة على البيئة اللغوية التي يتحدث فيها بارت، خُذ نيتشه مثالًا عندما يتحدث عن قتل الإله، أو بارت نفسه عندما يتحدث عن موت المؤلف، وغيرهم كُثر من الكتاب الغربيين الذين يستخدمون أساليب المُبالغة والمجاز والكناية بشكلٍ مُستمر في مُحاجّاتهم. عاشت هذه الأساليب في بيئة مليئة بالفلسفة واللغويات والنقد البنيوي والنقد المابعد-بنيوي. يتمثل اختلاف البيئة في اختلاف السياقات التي كانت النقاشات تحدث فيها، على سبيل المثال، لم تتطور الفلسفة البنيوية في مجتمع ناطق باللغة العربية. وهي مشكلة تحدث عنها بعض المترجمين الإنجليزيين الذين تعرضوا لكتب النظريات الأدبية، حيث أن النظريات الأدبية تعتمد في فترة ضخمة منها على كتابات مفكرين وفلاسفة فرنسيين.

يُمكن رؤية أزمة تشخيص المُجرد في هذه الحالة بكونها أزمة أسلوب غريب، مثلما يُحاجّ الغامدي في كتابه "العرنجية" حول بعض الأساليب اللغوية التي يستخدمها كُتاب العصر الحديث – رغم أن مُحاجّة الغامدي تنطلق من أساس ديني/أيدولوجي يعتبر أن اللغة خُلقت لتحفظ كما كانت عليه لأغراض دينية – فهي في رأيه أساليب راجعة لاستحضار ما هو غريب بنيويًا عن اللغة، مثل أن يُقال "تم فعل كذا" بدلًا من "فُعِل كذا" الذي يستخدم صيغة العربية للفعل المبني للمجهول. الآن، ليست بُنية "تم" غريبة عن لغتنا بل إنها توطنت اللغة واستعمرتها درجة أنها تُدرج في الخطابات الرسمية للحكومات والحديث العامي للأفراد. لكن كثيرًا من البُنى اللغوية الأخرى، خصوصًا السياقية منها، لا تزال غريبة على اللغة، ولا يزال استحضارها مُكلفًا للغاية وصعبًا على عملية نقل المعنى وترجمته.

ما هي البيئة اللغوية؟ في حديث مايكل ريفاتير عن الطبيعة الأدبية للنصوص مثال، إذ يقول "الطبيعة الأدبية لأي نص مُرتبطة باعتماده على (واستخدامه) للـ"افتراضات المسبقة"”، على سبيل المثال يفترض أسلوب الكتاب وموضوعه تصنيفًا ونوعًا معينًا لذلك الكتاب، بالتالي توجد الفوارق بين تجربة القراءة؛ أنا مثلًا لن أقرأ رواية تاريخية مثل رواية اسم الوردة لأُمبرتو إيكو بنفس الطريقة التي أقرأ بها رواية تاريخية أخرى مثل أرض الإله لأحمد مُراد. نفس المفهوم موجود في كتابات إيكو نفسها بصورة مُختلفة، فهو يتحدث عن "القارئ النموذجي (model reader)” الموجود في بال كل كاتب وهو يكتب كتابه. في كل هذه الأمثلة نجد أن النصوص تُكتب من أجل "قارئ" مُحدد، وهذا يحدث لأنها تُكتب من منطلق ارتباطها بما كُتب مُسبقًا، أو البيئة التي تعيش فيها وتتوطنها.

أعود مرّةً أخرى إلى مثال أكثر مُباشرةً ووضوحًا على أزمة البيئة وسياقية المعنى. يستخدم بارت كلمة Connotation كثيرًا للحديث عن المعاني الغير حرفية التي تكتسبها بعض الكلمات نتيجة للأثر الثقافي والاجتماعي عليها، الكلمة مشهورة في سياق اللغويات إذ تستخدم في مُناقشة عدم براءة وطبيعية اللغة، أي أن اللغة ليست مُجرد كلمات لها معانٍ حرفية وحسب، فالناس تُكسب الكلمات معانٍ إضافية، مثل ربط البياض بالنقاء. في العربية تُترجم الكلمة إلى دلالة/معنى/مفهوم/تضمين/فحوى/مغزى/محتوى...إلخ، وليس أيًا من هذه الكلمات كافيًا لنَقل دلالة الكلمة في بيئة اللغويات.

هذا طبيعي إذا أخذنا في الاعتبار حقيقة أن الترجمة تفقد "الحس الأصلي" للكلام بأية حال، وأن النقل بين اللغات يُلزم خسارة في المعنى لا مفر منها. لكن المشكلة تكمن في أن النقل بين اللغات يُعمي على البيئة الأصلية، وأن الخسارة ليست مُجرد خسارة في المعنى تتعلق باستخدام كلمات أقل أو أكثر دقة، إنما هي خسارة في السياق الذي عاشت وتعيش فيه الكلمة. لأن اللغة العربية لم تحتو يومًا على بيئة أصلية تطور فيها نقاش علم اللغويات، بعكس اللغة الإنجليزية والفرنسية التي تطور فيهما هذا النقاش. ويُدلل على هذا بتجربةٍ بسيطة، لدى الترجمة العكسية لأيٍ من هذه المصطلحات، ولنفترض أن الترجمة المختارة كانت دلالة، سنجد أمامنا مجموعة من الاختيارات: indication, significance, designation, meaning, connotation وغيره.

ما الذي قد يَحكم على المترجم في عملية اختياره لأيًا من هذه الكلمات؟ العودة للسياق الأصلي المستخدمة فيه الكلمة، فإذا قُرأت الكلمة في سياق يتحدث عن علم اللغويات، سيختار المترجم غالبًا كلمة connotation. في هذه الحالة لم يعتمد المترجم على المعنى الحرفي والدلالة السياقية المعتادة – مثل كون الكلام فكاهيًا أو جديًا – وإنما رجع إلى سياق البيئة، سياق المكان الذي حدثت فيه هذه الكلمة، لكن المترجم لا يملك نفس الهداية عندما ينتقل من الفرنسية/الإنجليزية للعربية، لأن العربية لم تحتو مكانًا/بيئةً مُشابهةً.

آنيت لَفَرز نفسها تُنوه على ملحوظة مُشابهة في مُقدمة ترجمتها لـ"أسطوريات"، إذ تقول التالي:


The style of Mythologies, which strikes one at first as being highly poetic and idiosyncratic, later reveals a quasi-technical use of certain terms. This is in part due to an effort to account for the phenomena of mass culture by resorting to new models.


تذكر آنيت بعدها أن "اللغويات" هي أهم وأوضح مثال ضمن "النماذج الجديدة" المُستخدمة في تحليل ظاهرة الثقافة العامة، وأن أثر اللغويات على استخدام الكلمات ومعانيها يتمثل في:


whose mark is seen not so much in the use of a specialized vocabulary as in the extension to other fields of words normally reserved for speech or writing


ظهور قاموس مُتخصص من الكلمات هو ما أعنيه عندما أتحدث عن البيئة التي تعيش فيها اللغويات، فاللغويات توسعت في استخدام الألفاظ والمصطلحات "المُخصصة" لسياقٍ تحليلي مُختلف. فوق ذلك، فبارت نفسه مثال مُتطرف على "تخصيص" كلمات بعينها في بيئة بعينها؛ في الكتب الأخرى لبارت يُمكن رؤية أزمة التوطين بشكلٍ أكثر استفحالًا، لأن بارت يُعيد تشكيل الكلمات بمعاني تختلف حتى عن البيئات المُعتادة أو المعروفة، بحيث أنه يُمكن القول بأن كتابات بارت نفسها صارت بيئة بعينها، وأنه لا يكفي أن تكتفي بالعيش في بيئة اللغويات لتفهم بارت.

لما ذكرت أن الفارق بين تغريداتي التي كنت أشتكي فيها من بارت هو كتب أكثر قرأتها لبارت، كنت أعني أنني عشت في بيئة بارت بحيث أنني صرت قادرًا على الرجوع للشك والاستدلال في أوقاتٍ بعينها، وقد تجد بعضهم يُناقش صعوبة أو غموض مصطلح بارت بالإشارة إلى "Barthesian meaning/writing” وكأنه صار هناك نوع معين من أنواع الكتابة الـبارتـية، كذا يتكرر الأمر مع المفكرين المعروفين أمثال نيشته وهيجيل وغيرهم، فطبيعة كتاباتهم تستدعي الرغبة في تحويل الكلمات وتشكيلها لمعاني مُعقدة تتجاوز قدرة اللغة الحرفية على التعبير.

قبل أن أقرأ كل هذا الكم من بارت، لم يكن لدي حس الشك أو الدلالة، وكان الفارق في التنقل بين اللغات مُعتمدًا على عدم معرفتي باللغة الإنجليزية تمامًا عن معرفتي باللغة العربية، بكلمات أخرى، كنت ألجأ للترجمة الإنجليزية لأنني إذا قرأت فيها ما لا أفهمه فسأفترض بأنها مُشكلة "معرفتي الشخصية" باللغة وسأتجاوزها إلى ما بعدها، أما اللغة العربية فلم تُوفر لي مثل هذا الأمر، لأنني إذا لم أفهم شيئًا، فلن أجد ما ألقي اللوم عليه، لن ألوم غبائي على قلة معرفتي بالعربية، لأنّي بكل بساطة عربي.

لهذا أجد أن تحاملي المُبكر على الترجمة كان عن مبدأ جهل وليس معرفة، والآن عندما أرجع لذات الترجمات أجد أنني قادر على فهمها وراء محاولات واضطرابات الترجمة لتسكين البيئة الغريبة. أنارتني شريكتي بتعليقها على الترجمة عندما أخبرتني بأنها تجد مُتعة في رؤية اضطراب ومعاناة المترجمين، مُحاولاتهم لإيصال المعنى رغم صعوبته. ليست المتعة سايكوباثية وإنما مُتعة شاعرية، جمال الكدح اللغوي وتشاجر المعاني. هكذا إذًا أرى توفيق وقاسم وهما يُحاولان قصارى جهدهما للتعامل مع الحمولة اللغوية المُعقدة لبارت، أقدر مُحاولاتهم التي قد تكون أحيانًا بدافع الحب والرغبة في أن يطلع العالم على الكاتب، مثلما أشارت رفيقتي. في حجراتهم وعلى مكاتبهم، لم يكن خط الكلمات على الورق سهلًا أبدًا، فهم يفهمون بارت (بل ويعرفونه في لغته الأصلية لأنهم من الفرانكوفون) ويفهمون مُحاجّاته، لكنهم مُمزقين بين نقل فهمهم والنقل اللغوي نفسه، واللغة العربية بعيدة بأميال عن الفرنسية والإنجليزية على أن تُقدم لهم مُساعدةً أو تسهيلًا.

لهذا أذكر مُقدمة ترجمة The Crying of Lot 49 لإيهاب عبد الحميد، عندما أخذ ما يُقارب الخمس صفحات ليتحدث فيها بشكلٍ واضح عن قراراته في الترجمة، ويُبين مسألة الفارق بين جمهور بينشون الأصلي والجمهور الموجه له الترجمة: “لدينا القارئ الأمريكي الأصلي، ابن سيتينات القرن العشرين (وقت ظهور الرواية)، ولدينا القارئ العربي ابن العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين (وقت ظهور الترجمة)، وبينهما طيف واسع مكاني، وزماني، ولغوي"، وفي النهاية يُقر بكل أخلاقية وشجاعة بـ"إننا واعين بخسائرنا قدر ما نحن واعين بالمكسب". الفارق أن إيهاب طلب تعاطف القارئ المُباشر، ووضع نفسه أمامه بكل عيوب وصعوبات الترجمة، أما البقية ممن لم تكتب مُقدمات لترجماتها، أمثال توفيق وقاسم، فهم يستدعون التعاطف بشكلٍ ضمني، وقد يحتاجون لسوء حظهم في حالة قارئ عصبي، قليل العِلم كَثير النفور سريع الغضب، مثلي إلى رفيقة أو رفيق يُنير الأذهان إلى أن أزمة الترجمة ليست على القارئ وحده.

لكن ما حدث وقت الأسطوريات كان له أثره الدائم علي، مثل أثر جُرح لا يلتأم أبدًا، اكتسبت شكًا مُطلقًا تجاه كل ما هو مترجم للعربية أيًا كان. أقول اكتسبت لأنني مع الوقت صِرت أحس، حتى بشكلٍ واعٍ، بأنني "أتفاعل جسديًا" مع الترجمة العربية، أنا أكرهها وأبغضها، بالرغم من أن الترجمة ليست مما يُكره أو يُبغض، وإنما تُناقش وتُحلل. دفعني شكي تجاه الترجمات إلى الاستمرار في قراءة الأصل الإنجليزي، أو قراءة الترجمة الإنجليزية في حالة وجودها، وقد كان لهذا الشك نتيجةً لم أقصدها، فمع تعودي على القراءة بالإنجليزية صارت لي القدرة على الوصول لمخزون معرفي ضخم يتجاوز المعرفة المترجمة والمكتوبة بالعربية بكثير.

لا يعني هذا أن اللغة العربية قاصرة بشكلٍ داخلي، وإنما العامل المادي المؤثر على عملية الترجمة، واختيار اللغة التي يُكتب بها هو ما يحكم، لهذا مثلًا أجد كتبًا عن التاريخ الاجتماعي لمصر وقد كتبها مؤلفون مصريون بالإنجليزية، لأن هذه الكتب ستنال شهرة أكبر بكثير مما قد تناله إذا اقتصرت على الجمهور العربي. وكذلك لا أجد الكثير من هذه الكتب المتخصصة مُترجمة، لأن العائد المادي الذي قد يُبرر لدار النشر الاستثمار فيها محدود. بأية حال، لست أهدف إلى تحليل الأثر المادي على الترجمة والكتابة، ما أذكره هو الواقع الذي أعيشه بصفتي طالبًا فقيرًا بالكاد يمتلك كُلفة اشتراك الإنترنت.

أجد في اللغة الإنجليزية سهولةً في القراءة، لأنني فوق مسألة التوافر قادر على أن أعيش في البيئات المُختلفة وأن أتنقل بينها بسهولة. قد يكون غيري من القُراء الحاذقين وواسعي المعرفة قادرون على الوصول لمثل هذا المستوى من التوطن في البيئات الغريبة تمامًا بدون الحاجة لقراءة الترجمة، لكنني لست ذاك القارئ الحاذق. وأنا بذلك مُمتن للترجمات السيئة للعربية لدفعي لقراءة المُترجم، لكنني أيضًا والأهم من ذلك، مُتعاطف ومُتفهم لما يعنيه أن تُترجم للعربية.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

اهلا